وهذا يكدح في سبيل الله . وهذا يكدح لشهوة ونزوة . وهذا يكدح لعقيدة ودعوة . وهذا يكدح إلى النار . وهذا يكدح إلى الجنة . . والكل يحمل حمله ويصعد الطريق كادحا إلى ربه فيلقاه ! وهناك يكون الكبد الأكبر للأشقياء . وتكون الراحة الكبرى للسعداء . إنه الكبد طبيعة الحياة الدنيا . تختلف أشكاله وأسبابه . ولكنه هو الكبد في النهاية . فأخسر الخاسرين هو من يعاني كبد الحياة الدنيا لينتهي إلى الكبد الأشق الأمر في الأخرى . وأفلح الفالحين من يكدح في الطريق إلى ربه ليلقاه بمؤهلات تنهي عنه كبد الحياة , وتنتهي به إلى الراحة الكبرى في ظلال الله .
على أن في الأرض ذاتها بعض الجزاء على ألوان الكدح والعناء . إن الذي يكدح للأمر الجليل ليس كالذي يكدح للأمر الحقير . ليس مثله طمأنينة بال وارتياحا للبذل , واسترواحا بالتضحية , فالذي يكدح وهو طليق من أثقال الطين , أو للانطلاق من هذه الأثقال , ليس كالذي يكدح ليغوص في الوحل ويلصق بالأرض كالحشرات والديدان ! والذي يموت في سبيل دعوة ليس كالذي يموت في سبيل نزوة . . ليس مثله في خاصة شعوره بالجهد والكبد الذي يلقاه .
الدرس الثاني:5 - 7 الإنكار على بعض تصرفات الإنسان المالية
وبعد تقرير هذه الحقيقة عن طبيعة الحياة الإنسانية يناقش بعض دعاوى "الإنسان" وتصوراته التي تشي بها تصرفاته:
(أيحسب أن لن يقدر عليه أحد ? يقول:أهلكت مالا لبدا . أيحسب أن لم يره أحد ?).
إن هذا "الإنسان" المخلوق في كبد , الذي لا يخلص من عناء الكدح والكد , لينسى حقيقة حاله وينخدع بما يعطيه خالقه من أطراف القوة والقدرة والوجدان والمتاع , فيتصرف تصرف الذي لا يحسب أنه مأخوذ بعمله , ولا يتوقع أن يقدر عليه قادر فيحاسبه . . فيطغى ويبطش ويسلب وينهب , ويجمع ويكثر , ويفسق ويفجر , دون أن يخشى ودون أن يتحرج . . وهذه هي صفة الإنسان الذي يعرى قلبه من الإيمان .
ثم إنه إذا دعي للخير والبذل [ في مثل المواضع التي ورد ذكرها في السورة ](يقول:أهلكت مالا لبدا). . وأنفقت شيئا كثيرا فحسبي ماأنفقت وما بذلت !(أيحسب أن لم يره أحد)? وينسى أن عين الله عليه , وأن علمه محيط به , فهو يرى ما أنفق , ولماذا أنفق ? ولكن هذا "الإنسان" كأنما ينسى هذه الحقيقة , ويحسب أنه في خفاء عن عين الله !
الدرس الثالث:8 - 10 تذكير الإنسان ببعض نعم الله عليه
وأمام هذا الغرور الذي يخيل للإنسان أنه ذو منعة وقوة , وأمام ضنه بالمال وادعائه أنه بذل الكثير , يجابهه القرآن بفيض الآلاء عليه في خاصة نفسه , وفي صميم تكوينه , وفي خصائص طبيعته واستعداداته تلك الآلاء التي لم يشكرها ولم يقم بحقها عنده:
(ألم نجعل له عينين ? ولسانا وشفتين ? وهديناه النجدين ?). .
إن الإنسان يغتر بقوته , والله هو المنعم عليه بهذا القدر من القوة . ويضن بالمال . والله هو المنعم عليه بهذا المال . ولا يهتدي ولا يشكر , وقد جعل له من الحواس ما يهديه في عالم المحسوسات:جعل له عينين على هذا القدر من الدقة في تركيبهما وفي قدرتهما على الإبصار . وميزه بالنطق , وأعطاه أداته المحكمة:(ولسانا وشفتين). . ثم أودع نفسه خصائص القدرة على إدراك الخير والشر , والهدى والضلال , والحق والباطل:(وهديناه النجدين)