(وأنفقوا خيرا لأنفسكم). . فهم ينفقون لأنفسهم . وهو يأمرهم أن ينفقوا الخير لأنفسهم . فيجعل ما ينفقونه كأنه نفقة مباشرة لذواتهم , ويعدها الخير لهم حين يفعلون .
ويريهم شح النفس بلاء ملازما . السعيد السعيد من يخلص منه ويوقاه ; والوقاية منه فضل من الله:
(ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون). .
ثم يمضي في إغرائهم بالبذل وتحبيبهم في الإنفاق , فيسمي إنفاقهم قرضا لله . ومن ذا الذي لا يربح هذه الفرصة التي يقرض فيها مولاه ? وهو يأخذ القرض فيضاعفه ويغفر به , ويشكر المقرض , ويحلم عليه حين يقصر في شكره . وهو الله !
(إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم . والله شكور حليم). .
وتبارك الله . ما أكرمه ! وما أعظمه ! وهو ينشئ العبد ثم يرزقه . ثم يسأله فضل ما أعطاه . قرضا . يضاعفه . . ثم . . يشكر لعبده الذي أنشأه وأعطاه ! ويعامله بالحلم في تقصيره هو عن شكر مولاه . . ! يالله !!!
إن الله يعلمنا - بصفاته - كيف نتسامى على نقصنا وضعفنا , ونتطلع إلى أعلى دائما لنراه - سبحانه - ونحاول أن نقلده في حدود طاقتنا الصغيرة المحدودة . وقد نفخ الله في الإنسان من روحه . فجعله مشتاقا أبدا إلى تحقيق المثل الأعلى في حدود طاقته وطبيعته , ومن ثم تبقى الآفاق العليا مفتوحة دائما ليتطلع هذا المخلوق إلى الكمال المستطاع , ويحاول الارتفاع درجة بعد درجة , حتى يلقى الله بما يحبه له ويرضاه .
ويختم هذه الجولة بعد هذا الإيقاع العجيب , بصفة الله التي بها الإطلاع والرقابة على القلوب:
(عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم). .
فكل شيء مكشوف لعلمه , خاضع لسلطانه , مدبر بحكمته . كي يعيش الناس وهم يشعرون بأن عين الله تراهم , وسلطانه عليهم , وحكمته تدبر الأمر كله حاضره وغائبه . ويكفي أن يستقر هذا التصور في القلوب , لتتقي الله وتخلص له وتستجيب .