وهذا التصور لقدرة الله وتسبيح كل شيء له , وتوجه الوجود إليه بالحمد . . هو طرف من ذلك التصور الإيماني الكبير . واللمسة الثانية في صميم القلب الإنساني , الذي يقف في خضم الوجود المؤمن المسبح بحمد الله . مؤمنا تارة وكافرا تارة . وهو وحده الذي يقف هذا الموقف الفريد .
(هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن). .
فعن إرادة الله وعن قدرته صدر هذا الإنسان ; وأودع إمكان الاتجاه إلى الكفر وإمكان الاتجاه إلى الإيمان ; وتميز بهذا الاستعداد المزدوج من بين خلق الله ; ونيطت به أمانة الإيمان بحكم هذا الاستعداد . وهي أمانة ضخمة وتبعة هائلة . ولكن الله كرم هذا المخلوق فأودعه القدرة على التمييز والقدرة على الاختيار ; وأمده بعد ذلك بالميزان الذي يزن به عمله ويقيس به اتجاهه . وهو الدين الذي نزله على رسل منه . فأعانه بهذا كله على حمل هذه الأمانة . ولم يظلمه شيئا .
(والله بما تعملون بصير). .
فهو رقيب على هذا الإنسان فيما يعمل , بصير بحقيقة نيته واتجاهه , فليعمل إذن وليحذر هذا الرقيب البصير . .
وهذا التصور لحقيقة الإنسان وموقفه هو طرف من التصور الإسلامي الواضح المستقيم لموقف الإنسان في هذا الوجود , واستعداداته وتبعاته أمام خالق الوجود .
واللمسة الثالثة تشير إلى الحق الأصيل الكامن في طبيعة الوجود , الذي تقوم به السماوات والأرض , كما تشير إلى صنعة الله المبدعة في كيان المخلوق الإنساني . وتقرر رجعة الجميع إليه في نهاية المطاف:
(خلق السماوات والأرض بالحق , وصوركم فأحسن صوركم , وإليه المصير). .
وصدر هذا النص: (خلق السماوات والأرض بالحق). . يقر في شعور المؤمن أن الحق أصيل في كيان هذا الكون , ليس عارضا وليس نافلة ; فبناء الكون قام على هذا الأساس . والذي يقرر هذه الحقيقة هو الله الذي خلق السماوات والأرض , والذي يعلم على أي أساس قامتا . واستقرار هذه الحقيقة في الحس يمنحه الطمأنينة والثقة في الحق الذي يقوم عليه دينه , ويقوم عليه الوجود من حوله ; فهو لا بد ظاهر , ولا بد باق , ولا بد مستقر في النهاية بعد زبد الباطل !
والحقيقة الثانية: (وصوركم فأحسن صوركم). . تشعر الإنسان بكرامته على الله , وبفضل الله عليه في تحسين صورته:صورته الخلقية وصورته الشعورية . فالإنسان هو أكمل الأحياء في الأرض من ناحية تكوينه الجثماني ; كما أنه أرقاها من ناحية تكوينه الشعوري واستعداداته الروحية ذات الأسرار العجيبة . ومن ثم وكلت إليه خلافة الأرض , وأقيم في هذا الملك العريض بالقياس إليه !
ونظرة فاحصة إلى الهندسة العامة لتركيب الإنسان , أو إلى أي جهاز من أجهزته , تثبت تلك الحقيقة وتجسمها: (وصوركم فأحسن صوركم). . وهي هندسة يجتمع فيها الجمال إلى الكمال . ويتفاوت الجمال بين شكل وشكل . ولكن التصميم في ذاته جميل وكامل الصنعة , وواف بكل الوظائف والخصائص التي يتفوق بها الإنسان في الأرض على سائر الأحياء .
(وإليه المصير). . مصير كل شيء وكل أمر وكل خلق . . مصير هذا الكون ومصير هذا الإنسان . فمن إرادته انبثق , وإليه - سبحانه - يعود . ومنه المنشأ وإليه المصير . وهو الأول والآخر . المحيط بكل شيء من