طرفيه:مبدئه ونهايته . وهو - سبحانه - غير محدود ! واللمسة الرابعة في هذا المقطع هي تصوير العلم الإلهي المحيط بكل شيء , المطلع على سر الإنسان وعلانيته , وعلى ما هو أخفى من السر , من ذوات الصدور الملازمة للصدور:
(يعلم ما في السماوات والأرض , ويعلم ما تسرون وما تعلنون , والله عليم بذات الصدور). .
واستقرار هذه الحقيقة في القلب المؤمن يفيده المعرفة بربه , فيعرفه بحقيقته . ويمنحه جانبا من التصور الإيماني الكوني . ويؤثر في مشاعره واتجاهاته ; فيحيا حياة الشاعر بأنه مكشوف كله لعين الله . فليس له سر يخفى عليه , وليس له نية غائرة في الضمير لا يراها وهو العليم بذات الصدور .
وإن آيات ثلاثة كهذه لكافية وحدها ليعيش بها الإنسان مدركا لحقيقة وجوده , ووجود الكون كله , وصلته بخالقه , وأدبه مع ربه , وخشيته وتقواه , في كل حركة وكل اتجاه . .
الدرس الثاني:5 - 6 تذكير بمصارع الكفار السابقين
والمقطع الثاني في السورة يذكر بمصير الغابرين من المكذبين بالرسل والبينات , المعترضين على بشرية الرسل . كما كان المشركون يكذبون ويعترضون على بشرية الرسول [ ص ] ويكفرون بما جاءهم به من البينات:
(ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم ? ولهم عذاب أليم . ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات , فقالوا:أبشر يهدوننا ? فكفروا وتولوا , واستغنى الله , والله غني حميد). .
والخطاب هنا للمشركين - غالبا - وهو تذكير لهم بعاقبة المكذبين وتحذير لهم من مثل هذه العاقبة . والاستفهام قد يكون لإنكار حالهم بعد ما جاءهم من نبأ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم . وقد يكون للفت أنظارهم إلى هذا النبأ الذي يقصه عليهم . وهم كانوا يعرفون ويتناقلون أنباء بعض الهلكى من الغابرين . كعاد وثمود وقرى لوط . وهم يمرون عليها في شبه الجزيرة , في رحلاتهم للشمال والجنوب .
ويضيف القرآن إلى المعروف من مآلهم في الدنيا ما ينتظرهم هنالك في الآخرة: (ولهم عذاب أليم). . ثم يكشف عن السبب الذي استحقوا به ما نالهم وما ينتظرهم: (ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا:أبشر يهدوننا ?). . وهو الاعتراض ذاته الذي يعترضه المشركون على الرسول [ ص ] وهو اعتراض فج ناشئ عن الجهل بطبيعة الرسالة , وكونها منهجا إلهيا للبشر , فلا بد أن تتمثل واقعيا في بشر , يحيا بها , ويكون بشخصه ترجمانا لها ; فيصوغ الآخرون أنفسهم على مثاله بقدر ما يستطيعون . ولا ينعزل هو عنهم بجنسه , فيتعذر أن يجدوا للرسالة صورة واقعية يحاولون تحقيقها في ذوات أنفسهم , وفي حياتهم ومعاشهم . وناشئ كذلك من الجهل بطبيعة الإنسان ذاته ورفعة حقيقته بحيث يتلقى رسالة السماء ويبلغها , بدون حاجة إلى أن يحملها إلى الناس ملك كما كانوا يقترحون . ففي الإنسان تلك النفخة من روح الله , وهي تهيئة لاستقبال الرسالة من الله , وأدائها كاملة كما تلقاها من الملأ الأعلى . وهي كرامة للجنس البشري كله لا يرفضها إلا جاهل بقدر هذا الإنسان عند الله , حين يحقق في ذاته حقيقة النفخة من روح الله ! وناشئ في النهاية من التعنت والاستكبار الكاذب عن اتباع رسول من البشر . كأن في هذا غضا من قيمة هؤلاء الجهال المتكبرين ! فجائز في عرفهم أن يتبعوا رسولا من خلق آخر غير جنسهم بلا غضاضة . أما أن يتبعوا واحدا منهم فهي في نظرهم حطة وقلة قيمة !
ومن ثم كفروا وتولوا معرضين عن الرسل وما معهم من البينات , ووقفت في صدورهم هذه الكبرياء وذلك