للغرور بالنعمة والاستنامة للشيطان ! إن الابتلاء بالنعمة في حاجة ملحة إلى يقظة دائمة تعصم من الفتنة . . نعمة المال والرزق كثيرا ما تقود إلى فتنة البطر وقلة الشكر , مع السرف أو مع البخل , وكلاهما آفة للنفس والحياة . . . ونعمة القوة كثيرا ما تقود إلى فتنة البطر وقلة الشكر مع الطغيان والجور , والتطاول بالقوة على الحق وعلى الناس , والتهجم على حرمات الله . . ونعمة الجمال كثيرا ما تقود إلى فتنة الخيلاء والتيه وتتردى في مدارك الإثم والغواية . . ونعمة الذكاء كثيرا ما تقود إلى فتنة الغرور والاستخفاف بالآخرين وبالقيم والموازين . . وما تكاد تخلو نعمة من الفتنة إلا من ذكر الله فعصمه الله . .
والحقيقة الثالثة إن الإعراض عن ذكر الله , الذي قد تنتهي إليه فتنة الابتلاء بالرخاء , مؤد إلى عذاب الله . والنص يذكر صفة للعذاب (يسلكه عذابا صعدا). . توحي بالمشقة مذ كان الذي يصعد في المرتفع يجد مشقة في التصعيد كلما تصعد . وقد درج القرآن على الرمز للمشقة بالتصعيد . فجاء في موضع: فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام , ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء . وجاء في موضع: سأرهقه صعودا . وهي حقيقة مادية معروفة . والتقابل واضح بين الفتنة بالرخاء وبين العذاب الشاق عند الجزاء !
الدرس الخامس:19 كلام الجن على المساجد والدعوة
والآية الثالثة في السياق يجوز أن تكون حكاية لقول الجن , ويجوز أن تكون من كلام الله ابتداء:
(وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا). .
وهي في الحالتين توحي بأن السجود - أو مواضع السجود وهي المساجد - لا تكون إلا لله , فهناك يكون التوحيد الخالص , ويتوارى كل ظل لكل أحد , ولكل قيمة , ولكل اعتبار . وينفرد الجو ويتمحض للعبودية الخالصة لله . ودعاء غير الله قد يكون بعبادة غيره ; وقد يكون بالإلتجاء إلى سواه ; وقد يكون باستحضار القلب لأحد غير الله .
فإن كانت الآية من مقولات الجن فهي توكيد لما سبق من قولهم: (ولن نشرك بربنا أحدا)في موضع خاص , وهو موضع العبادة والسجود . وإن كانت من قول الله ابتداء , فهي توجيه بمناسبة مقالة الجن وتوحيدهم لربهم , يجيء في موضعه على طريقة القرآن .
وكذلك الآية التالية:
(وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا). .
أي متجمعين متكتلين عليه , حين قام يصلي ويدعو ربه . والصلاة معناها في الأصل الدعاء .
فإذا كانت من مقولات الجن , فهي حكاية منهم عن مشركي العرب , الذين كانوا يتجمعون فئات حول رسول الله [ ص ] وهو يصلي أو وهو يتلو القرآن كما قال في "سورة المعارج": فمال الذين كفروا قبلك مهطعين عن اليمين وعن الشمال عزين ? . . يتسمعون في دهش ولا يستجيبون . أو وهم يتجمعون