لإيقاع الأذى به , ثم يعصمه الله منهم كما وقع ذلك مرارا . . ويكون قول الجن هذا لقومهم للتعجيب من أمر هؤلاء المشركين ! وإذا كانت من أخبار الله ابتداء , فقد تكون حكاية عن حال هذا النفر من الجن , حين سمعوا القرآن . . العجب . . فأخذوا ودهشوا , وتكأكأوا على رسول الله [ ص ] بعضهم لصق بعض , كما تكون لبدة الصوف المنسوق شعرها , بعضه لصق بعض ! . . ولعل هذا هو الأقرب لمدلول الآية لاتساقه مع العجب والدهشة والارتياع والوهلة البادية في مقالة الجن كلها ! والله أعلم . .
الدرس السادس:20 دعوة الرسل إلى الله
وعندما تنتهي حكاية مقالة الجن عن هذا القرآن , وعن هذا الأمر , الذي فاجأ نفوسهم , وهز مشاعرهم وأطلعهم على انشغال السماء والأرض والملائكة والكواكب بهذا الأمر ; وعلى ما أحدثه من آثار في نسق الكون كله ; وعلى الجد الذي يتضمنه , والنواميس التي تصاحبه .
عندما ينتهي هذا كله يتوجه الخطاب إلى الرسول [ ص ] في إيقاعات جادة صارمة حاسمة , بالتبليغ , والتجرد من هذا الأمر كله بعد التبليغ , والتجرد كذلك من كل دعوى في الغيب أو في حظوظ الناس ومقادرهم . . وذلك كله في جو عليه مسحة من الحزن والشجى تناسب ما فيه من جد ومن صرامة:
قل:إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا . قل:إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا . قل:إني لن يجيرني من الله أحدا ولن أجد من دونه ملتحدا . إلا بلاغا من الله ورسالاته . ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا . حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا . قل:إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا . عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا . إلا من ارتضى من رسول . فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا . ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم , وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا . .
قل يا محمد للناس: (إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا). . وهذا الإعلان يجيء بعد إعلان الجن لقومهم: (ولن نشرك بربنا أحدا). . فيكون له طعمه وله إيقاعه . فهي كلمة الإنس والجن , يتعارفان عليها . فمن شذ عنها كالمشركين فهو يشذ عن العالمين .
الدرس السابع:21 - 24 اعتراف الرسول بعجزه عن النفع والضر وحرصه على التبليغ وجعل الامور بيد الله
(قل:إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا). . يؤمر الرسول [ ص ] أن يتجرد , ويؤمر أن ينفض يديه من كل ادعاء لشيء هو من خصائص الله الواحد الذي يعبده ولا يشرك به أحدا . فهو وحده الذي يملك الضر ويملك الخير . ويجعل مقابل الضر الرشد , وهو الهداية , كما جاء التعبير في مقالة الجن من قبل:(وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا). . فيتطابق القولان في اتجاههما وفي ألفاظهما تقريبا , وهو تطابق مقصود في القصة والتعقيب عليها , كما يكثر هذا في الأسلوب القرآني . .
وبهذا وذلك يتجرد الجن - وهو موضع الشبهة في المقدرة على النفع والضر - ويتجرد النبي [ ص ] وتتفرد الذات الإلهية بهذا الأمر . ويستقيم التصور الإيماني على هذا التجرد الكامل الصريح الواضح .
قل:إني لن يجيرني من الله أحدا ولن أجد من دونه ملتحدا . إلا بلاغا من الله ورسالاته . . . . .
وهذه هي القولة الرهيبة , التي تملأ القلب بجدية هذا الأمر . . أمر الرسالة والدعوة . . والرسول [ ص ]