يؤمر أن يبلغ فيبلغ:(قل:إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا , عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا). . الدرس التاسع:27 - 28 الله يعلم من يشاء من خلقه علم الغيب ويحرص على التبليغ
هناك فقط استثناء واحد . . وهو ما يأذن به الله من الغيب , فيطلع عليه رسله , في حدود ما يعاونهم على تبليغ دعوته إلى الناس . فما كان ما يوحي به إليهم إلا غيبا من غيبه , يكشفه لهم في حينه ويكشفه لهم بقدر , ويرعاهم وهم يبلغونه , ويراقبهم كذلك . . ويؤمر الرسول [ ص ] أن يعلن هذا في صورة جادة رهيبة:
(إلا من ارتضى من رسول , فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا , ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم , وأحاط بما لديهم , وأحصى كل شيء عددا). .
فالرسل الذين يرتضيهم الله لتبليغ دعوته , يطلعهم على جانب من غيبه , هو هذا الوحي:موضوعه , وطريقته , والملائكة الذين يحملونه , ومصدره , وحفظه في اللوح المحفوظ . . إلى آخر ما يتعلق بموضوع رسالتهم مما كان في ضمير الغيب لا يعلمه أحد منهم .
وفي الوقت ذاته يحيط هؤلاء الرسل بالأرصاد والحراس من الحفظة , للحفظ والرقابة . يحمونهم من وسوسة الشيطان ونزغه , ومن وسوسة النفس وتمنيتها , ومن الضعف البشري في أمر الرسالة , ومن النسيان أو الانحراف . ومن سائر ما يعترض البشر من النقص و الضعف . .
والتعبير الرهيب - (فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا). . يصور الرقابة الدائمة الكاملة للرسول , وهو يؤدي هذا الأمر العظيم . . (ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم). . والله يعلم . ولكن المقصود هو أن يقع منهم البلاغ فيتعلق به علمه في عالم الواقع .
(وأحاط بما لديهم). . فما من شيء في نفوسهم وفي حياتهم ومن حولهم , إلا وهو في قبضة العلم لا يند منه شيء . .
(وأحصى كل شيء عددا). . لا يقتصر على ما لدى الرسل ; بل يحيط بكل شيء إحصاء وعدا , وهو أدق الإحاطة والعلم !
وتصور هذه الحال . والرسول محوط بالحراس والأرصاد . وعلم الله على كل ما لديه . وكل ما حوله . وهو يتلقى التكليف جنديا لا يملك إلا أن يؤدي . ويمضي في طريقه ليس متروكا لنفسه , ولا متروكا لضعفه , ولا متروكا لهواه , ولا متروكا لما يحبه ويرضاه . إنما هو الجد الصارم والرقابة الدقيقة . وهو يعلم هذا ويستقيم في طريقه لا يتلفت هنا أو هناك . فهو يعلم ماذا حوله من الحرس والرصد , ويعلم ما هو مسلط عليه من علم وكشف !
إنه موقف يثير العطف على موقف الرسول , كما يثير الرهبة حول هذا الشأن الخطير .
وبهذا الإيقاع الهائل الرهيب تختم السورة , التي بدأت بالروعة والرجفة والانبهار بادية في مقالة الجن الطويلة المفصلة , الحافلة بآثار البهر والرجفة والارتياع !
وتقرر السورة التي لا تتجاوز الثماني والعشرين آية , هذا الحشد من الحقائق الأساسية التي تدخل في تكوين