فأنا أعرف اليوم - ولله الحمد والمنة - أنه ليس هناك جهد غبين فكل جهد مجزي . وليس هناك تعب ضائع فكل تعب مثمر . وأن المصير مرض وأنه بين يدي عادل رحيم . وأنا أشعر اليوم - ولله الحمد والمنة - أن الكون لا يقف تلك الوقفة البائسة أبدا ; فروح الكون تؤمن بربها , وتتجه إليه , وتسبح بحمده . والكون يمضي وفق ناموسه الذي اختاره الله له , في طاعة وفي رضى وفي تسليم ! وهذا كسب ضخم في عالم الشعور وعالم التفكير , كما أنه كسب ضخم في عالم الجسد والأعصاب , فوق ما هو كسب ضخم في جمال العمل والنشاط والتأثر والتأثير .
والإيمان - بعد - قوة دافعة وطاقة مجمعة . فما تكاد حقيقته تستقر في القلب حتى تتحرك لتعمل , ولتحقق ذاتها في الواقع , ولتوائم بين صورتها المضمرة وصورتها الظاهرة . كما أنها تستولي على مصادر الحركة في الكائن البشري كلها , وتدفعها في الطريق . .
[ ذلك سر قوة العقيدة في النفس , وسر قوة النفس بالعقيدة . سر تلك الخوارق التي صنعتها العقيدة في الأرض وما تزال في كل يوم تصنعها . الخوارق التي تغير وجه الحياة من يوم إلى يوم , وتدفع بالفرد وتدفع بالجماعة إلى التضحية بالعمر الفاني المحدود في سبيل الحياة الكبرى التي لا تفنى ; وتقف بالفرد القليل الضئيل أمام قوى السلطان وقوى المال وقوى الحديد والنار , فإذا هي كلها تنهزم أمام العقيدة الدافعة في روح فرد مؤمن . وما هو الفرد الفاني المحدود الذي هزم تلك القوى جميعا , ولكنها القوة الكبرى الهائلة التي استمدت منها تلك الروح , والينبوع المتفجر الذي لا ينضب ولا ينحسر ولا يضعف ] .
[ تلك الخوارق التي تأتي بها العقيدة الدينية في حياة الأفراد وفي حياة الجماعات لا تقوم على خرافة غامضة , ولا تعتمد على التهاويل والرؤى . إنها تقوم على أسباب مدركة وعلى قواعد ثابتة . إن العقيدة الدينية فكرة كلية تربط الإنسان بقوى الكون الظاهرة والخفية , وتثبت روحه بالثقة والطمأنينة , وتمنحه القدرة على مواجهة القوى الزائلة والأوضاع الباطلة , بقوة اليقين في النصر , وقوة الثقة في الله . وهي تفسر للفرد علاقاته بما حوله من الناس والأحداث والأشياء , وتوضح له غايته واتجاهه وطريقه , وتجمع طاقاته وقواه كلها , وتدفعها في اتجاه . ومن هنا كذلك قوتها . قوة تجميع القوى والطاقات حول محور واحد , وتوجيهها في اتجاه واحد , تمضي إليه مستنيرة الهدف , في قوة , وفي ثقة , وفي يقين ] .
ويضاعف قوتها أنها تمضي مع الخط الثابت الذي يمضي فيه الكون كله ظاهره وخافيه . وأن كل ما في الكون من قوى مكنونة تتجه اتجاها إيمانيا , فيلتقي بها المؤمن في طريقه , وينضم إلى زحفها الهائل لتغليب الحق على الباطل . مهما يكن للباطل من قوة ظاهرة لها في العيون بريق !
وصدق الله العظيم:(يمنون عليك أن أسلموا . قل:لا تمنوا علي إسلامكم . بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين). فهي المنة الكبرى التي لا يملكها ولا يهبها إلا الله الكريم , لمن يعلم منه أنه يستحق هذا الفضل العظيم .
وصدق الله العظيم . فماذا فقد من وجد الأنس بتلك الحقائق والمدركات وتلك المعاني والمشاعر ? وعاش بها ومعها , وقطع رحلته على هذا الكوكب في ظلالها وعلى هداها ? وماذا وجد من فقدها ولو تقلب في أعطاف