قال ربك للملائكة). . فكيف شمل إبليس ? فإن صدور الأمر إلى إبليس يدل عليه ما بعده , وقد ذكر صريحا في سورة الأعراف: (قال:ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ?). . وأسلوب القرآن يكتفي بالدلالة اللاحقة في كثير من المواضع . فقول الله تعالى له: (ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ?). . قاطع في أن الأمر قد صدر له . وليس من الضروري أن يكون هذا الأمر هو أمره للملائكة . فقد يصدر إليه معهم لاجتماعه بهم في ملابسة ما . وقد يصدر إليه منفردا ولا يذكر تهوينا لشأنه وإظهارا للملائكة في الموقف . ولكن المقطوع به من النصوص ومن دلالة تصرفه أنه ليس من الملائكة . وهذا ما نختاره . وعلى أية حال فنحن نتعامل هنا مع مسلمات غيبية لا نملك تصور ماهياتها ولا كيفياتها في غير حدود النصوص . لأن العقل كما أسلفنا لا سبيل له في هذا المجال بحال من الأحوال .
قال:يا إبليس مالك ألا تكون مع الساجدين ? قال:لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون . .
وصرحت طبيعة الغرور والاستكبار والعصيان في ذلك المخلوق من نار السموم . وذكر إبليس الصلصال والحمأ , ولم يذكر النفخة العلوية التي تلابس هذا الطين . وتشامخ برأسه المغرور يقول:إنه ليس من شأنه في عظمته أن يسجد لبشر خلقه الله من صلصال من حمأ مسنون ! .
وكان ما ينبغي أن يكون:
قال:فاخرج منها فإنك رجيم , وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين . .
جزاء العصيان والشرود .
عندئذ تتبدى خليفة الحقد وخليقة الشر:
(قال:رب فأنظرني إلى يوم يبعثون . قال:فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم). .
لقد طلب النظرة إلى يوم البعث , لا ليندم على خطيئته في حضرة الخالق العظيم , ولا ليتوب إلى الله ويرجع ويكفر عن إثمه الجسيم . ولكن لينتقم من آدم وذريته جزاء ما لعنه الله وطرده . يربط لعنة الله له بآدم , ولا يربطها بعصيانه لله في تبجح نكير !
(قال:رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين . إلا عبادك منهم المخلصين). .
وبذلك حدد إبليس ساحة المعركة . إنها الأرض:
(لأزينن لهم في الأرض). .
وحدد عدته فيها إنه التزيين . تزيين القبيح وتجميله , والإغراء بزينته المصطنعة على ارتكابه . وهكذا لا يجترح الإنسان الشر إلا وعليه من الشيطان مسحة تزينه وتجمله , وتظهره في غير حقيقته وردائه . فليفطن الناس إلى عدة الشيطان ; وليحذروا كلما وجدوا في أمر تزيينا , وكلما وجدوا من نفوسهم إليه اشتهاء . ليحذروا فقد يكون الشيطان هناك . إلا أن يتصلوا بالله ويعبدوه حق عبادته , فليس للشيطان - بشرطه هو - على عباد الله المخلصين من سبيل:
(ولأغوينهم أجمعين . إلا عبادك منهم المخلصين). .