والله يستخلص لنفسه من عباده من يخلص نفسه لله , ويجردها له وحده , ويعبده كأنه يراه . وهؤلاء ليس للشيطان عليهم من سلطان .
هذا الشرط الذي قرره إبليس - اللعين - قرره وهو يدرك أن لا سبيل إلى سواه , لأنه سنة الله . . أن يستخلص لنفسه من يخلص له نفسه , وأن يحميه ويرعاه . . ومن ثم كان الجواب:
(هذا صراط علي مستقيم . إن عبادي ليس لك عليهم سلطان . إلا من اتبعك من الغاوين). .
هذا صراط . هذا ناموس . هذه سنة . وهي السنة التي ارتضتها الإرادة قانونا وحكما في الهدى والضلال . (إن عبادي)المخلصين لي ليس لك عليهم سلطان , ولا لك فيهم تأثير , ولا تملك أن تزين لهم لأنك عنهم محصور , ولأنهم منك في حمى , ولأن مداخلك إلى نفوسهم مغلقة , وهم يعلقون أبصارهم بالله , ويدركون ناموسه بفطرتهم الواصلة إلى الله . إنما سلطانك على من اتبعك من الغاوين الضالين . فهو استثناء مقطوع لأن الغاوين ليسوا جزءا من عباد الله المخلصين . إن الشيطان لا يتلقف إلا الشاردين كما يتلقف الذئب الشاردة من القطيع . فأما من يخلصون أنفسهم لله , فالله لا يتركهم للضياع . ورحمة الله أوسع ولو تخلفوا فإنهم يثوبون من قريب !
فأما العاقبة . عاقبة الغاوين . فهي معلنة في الساحة منذ البدء:
(وإن جهنم لموعدهم أجمعين . لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم).
فهؤلاء الغاوون صنوف ودرجات . والغواية ألوان وأشكال . ولكل باب منهم جزء مقسوم , بحسب ما يكونون وما يعملون .
وينتهي المشهد وقد وصل السياق بالقصة إلى نقطة التركيز وموضع العبرة . ووضح كيف يسلك الشيطان طريقه إلى النفوس . وكيف تغلب خصائص الطين في الإنسان على خصائص النفخة . فأما من يتصل بالله ويحتفظ بنفخة روحه فلا سلطان عليه للشيطان . .
وبمناسبة ذكر مصير الغاوين يذكر مصير المخلصين:
(إن المتقين في جنات وعيون . ادخلوها بسلام آمنين . ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين . لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين).
والمتقون هم الذين يرقبون الله ويقون أنفسهم عذابه وأسبابه . ولعل العيون في الجنات تقابل في المشهد تلك الأبواب في جهنم . وهم يدخلون الجنات بسلام آمنين في مقابل الخوف والفزع هناك . ونزعنا ما في صدورهم من غل , في مقابل الحقد الذي يغلي به صدر إبليس فيما سلف من السياق . لا يمسهم فيها نصب ولا يخافون منها خروجا . جزاء ما خافوا في الأرض واتقوا فاستحقوا المقام المطمئن الآمن في جوار الله الكريم . . . .
تعقيب علي قصة آدم في السورة
وبعد , فإن قصة البشرية الكبرى - كما تعرض في هذا السياق القرآني - تستحق تعقيبات مفصلة لا نملك أن نستطرد فيها - في ظلال القرآن - فنكتفي أن نلم بها إلماما , على قدر المناسبة:
إن دلالتها واضحة على طبيعة تكوين هذا الخلق المسمى بالإنسان . فهو تكوين خاص متفرد , يزيد على مجرد التركيب العضوي الحيوي , الذي يشترك فيه مع بقية الأحياء . وأيا كانت نشأة الحياة , ونشأة الأحياء ; فإن الخلق الإنساني يتفرد بخاصية أخرى هي التي ورد بها النص القرآني . . خاصية الروح الإلهي المودع فيه . .
وهي الخاصية التي تجعل من هذا الإنسان إنسانا , يتفرد بخصائصه عن كل الأحياء الأخرى . وهي قطعا ليست مجرد الحياة . فهو يشترك في "الحياة " مع سائر الأحياء . ولكنها خاصية الروح الزائد عن مجرد الحياة . هذه الخاصية - كما يلهم النص القرآني - لم تجيء للإنسان بعد مراحل أو أطوار من نشأته - كما تزعم الدارونية - ولكنها جاءت مصاحبة لخلقه ونشأته . فلم يجيء على هذا الكائن الإنساني زمان كان فيه مجرد حي من الأحياء - بلا روح إنساني خاص - ثم دخلته هذه الروح , فصار بها هو هذا الإنسان !
ولقد اضطرت الدارونية الحديثة - على يد جوليان هاكسلي - أن تعترف بشطر من هذه الحقيقة الكبيرة ; وهي تقرر "تفرد الإنسان" من الناحية الحيوية والوظيفية . ومن ثم تفرده من الناحية العقلية , وما نشأ عن ذلك كله من تفرده من الناحية الحضارية . .
ولكنها ظلت تزعم أن هذا الإنسان المتفرد متطور عن حيوان !
والتوفيق عسير بين ما انتهت إليه الداروينية الحديثة من تفرد الإنسان , وبين القاعدة التي تقوم عليها الداروينية - قاعدة التطور المطلق وتطور الإنسان عن الحيوان - ولكن الداروينيين ومن والاهم لا يزالون مصرين على ذلك الاندفاع - غير العلمي - الذي صبغوه بصبغة العلم , في دفعة الانسلاخ من كل مقررات الكنيسة ! والذي شجع اليهود على نشره وتمكينه وتثبيته , وإضفاء الصبغة "العلمية " عليه لغرض في نفوسهم ; ولغاية في مخططاتهم !
ولقد سبق أن تحدثنا عن هذه القضية , ونحن نواجه النصوص القرآنية المشابهة في سورة الأعراف في هذه الظلال ; فنقتطف هذه الفقرات مما سبق تقريره هناك:
"وعلى أية حال , فإن مجموع النصوص القرآنية في خلق آدم عليه السلام , وفي نشأة الجنس البشري , ترجح أن إعطاء هذا الكائن خصائصه الإنسانية ووظائفه المستقلة , كان مصاحبا لخلقه . وأن الترقي "الإنساني" كان ترقيا في بروز هذه الخصائص , ونموها , وتدريبها , واكتسابها الخبرة العالية . ولم يكن ترقيا في "وجود" الإنسان . . من تطور الأنواع حتى انتهت إلى الإنسان . . كما تقول الداروينية .
"ووجود أنواع مترقية من الحيوان تتبع ترتيبا زمنيا - بدلالة الحفريات التي تعتمد عليها نظرية النشوء والارتقاء - هو مجرد نظرية "ظنية " وليست "يقينية " لأن تقدير أعمار الصخور ذاته في طبقات الأرض ليس إلا ظنا ! مجرد فرض كتقدير أعمار النجوم من إشعاعها . وليس ما يمنع من ظهور فروض أخرى تعدلها أو تغيرها !
"على أنه - على فرض العلم اليقيني بأعمار الصخور - ليس هناك ما يمنع من وجود "أنواع" من الحيوان , في أزمان متوالية , بعضها أرقى من بعض , بفعل الظروف السائدة في الأرض ومدى ما تسمح به من وجود أنواع تلائم هذه الظروف السائدة في حياتها . ثم انقراض بعضها حين تتغير الظروف السائدة بحيث لا تسمح لها بالحياة [ وظهور أنواع أخرى أكثر ملاءمة للظروف السائدة ] . . ولكن هذا لا "يحتم" أن يكون بعضها "متطورا" من بعض . . وحفريات دارون وما بعدها لا تستطيع أن تثبت أكثر من هذا , لا تستطيع أن تثبت