لتلبية هذا الدافع العميق في نظام الحياة ; ليكون النسل الذي تمتد به الحياة وجعل تلبية هذا الدافع معهن موضع اللذة السليمة المريحة للجنسين معا - في الحالات الطبيعية - ليكون هذا ضمانا لامتداد الحياة , بدافع من الرغبة الشخصية العميقة . . يمضي لوط في محاولته هذه:(قال:هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين). .
ولوط النبي لا يعرض بناته على هؤلاء الفجار ليأخذوهن سفاحا . إنما هو يلوح لهم بالطريق الطبيعي الذي ترضاه الفطرة السليمة , لينبه فيهم هذه الفطرة . وهو يعلم أنهم إن ثابوا إليها فلن يطلبوا النساء سفاحا . فهو مجرد هتاف للفطرة السليمة في نفوسهم لعلها تستيقظ على هذا العرض الذي هم عنه معرضون .
وبينما هذا المشهد معروض . القوم في سعارهم المريض يستبشرون ويتلمظون . ولوط يدافعهم ويستثير نخوتهم , ويستجيش وجدانهم , ويحرك دواعي الفطرة السليمة فيهم , وهم في سعارهم مندفعون . .
بينما المشهد البشع معروض على هذا النحو المثير يلتفت السياق خطابا لمن يشهد ذلك المشهد , على طريقة العرب في كلامهم بالقسم:
(لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون). .
لتصوير حالتهم الأصيلة الدائمة التي لا يرجى معها أن يفيقوا ولا أن يسمعوا هواتف النخوة والتقوى والفطرة السليمة .
ثم تكون الخاتمة . وتحق عليهم كلمة الله:
ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذن منظرين . .
وإذا نحن أمام مشهد الدمار والخراب والخسف والهلاك المناسب لتلك الطبائع المقلوبة:
(فأخذتهم الصيحة مشرقين , فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل). .
وقد خسف بقرى لوط بظاهرة تشبه ظاهرة الزلازل أو البراكين وتصاحبها أحيانا ظاهرة الخسف وتناثر أحجار ملوثة بالطين وهبوط مدن بكاملها تسيح في الأرض . ويقال:إن بحيرة لوط الحالية وجدت بعد هذا الحادث , بعد انقلاب عمورة وسدوم في باطن الأرض , وهبوط مكانها وامتلائه بالماء . ولكننا لا نعلل ما وقع لهم بأنه كان زلزالا أو بركانا عابرا مما يقع في كل حين . . فالمنهج الإيماني الذي نحرص عليه في هذه الظلال يبعد كل البعد عن هذه المحاولة !
إننا نعلم علم اليقين أن الظواهر الكونية كلها تجري وفق ناموس الله الذي أودعه هذا الكون . ولكن كل ظاهرة وكل حدث في هذا الكون لا يقع بأية حتمية إنما يقع وفق قدر خاص به . بلا تعارض بين ثبات الناموس وجريان المشيئة بقدر خاص لكل حدث . . كذلك نحن نعلم علم اليقين أن الله سبحانه يجري في حالات معينة أقدارا معينة بأحداث معينة لوجهة معينة . وليس من الضروري أن يكون ذلك الذي دمر قرى لوط زلزال أو بركان عادي ; فقد يريد الله أن ينزل بهم ما يشاء , وقتما يشاء , فيكون ما يشاء , وفق ما يشاء . . وهذا هو المنهج الإيماني في تفسير معجزات الرسل أجمعين . .
وقرى لوط تقع في طريق مطروق بين الحجاز والشام يمر عليها الناس . وفيها عظات لمن يتفرس ويتأمل , ويجد العبرة في مصارع الغابرين . وإن كانت الآيات لا تنفع إلا القلوب المؤمنة المتفتحة المستعدة للتلقي والتدبر واليقين: