(إن في ذلك لآيات للمتوسمين . وإنها لبسبيل مقيم . إن في ذلك لآية للمؤمنين). .
وهكذا صدق النذير , وكان نزول الملائكة إيذانا بعذاب الله الذي لا يرد ولا يمهل ولا يحيد .
الدرس الثاني:78 - 84 لقطات من هلاك أصحاب الأيكة وأصحاب الحجر
كذلك كان الحال مع قوم شعيب - أصحاب الأيكة - ومع قوم صالح - أصحاب الحجر:
(وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين , فانتقمنا منهم . وإنهما لبإمام مبين . ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين ; وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين ; وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين ; فأخذتهم الصيحة مصبحين , فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون). .
وقد فصل القرآن قصة شعيب مع قومه:أهل مدين وأصحاب الأيكة في مواضع أخرى . فأما هنا فيشير إشارة إلى ظلمهم وإلى مصرعهم تصديقا لنبأ العذاب , في هذا الشوط , ولإهلاك القرى بعد انقضاء الأجل المعلوم الوارد في مطالع السورة . ومدين والأيكة كانتا بالقرب من قرى لوط . والإشارة الواردة هنا . . (وإنهما لبإمام مبين . .)قد تعني مدين والأيكة , فهما في طريق واضح غير مندثر , وقد تعني قرى لوط السالفة الذكر وقرية شعيب , جمعهما لأنهما في طريق واحد بين الحجاز والشام . ووقوع القرى الداثرة على الطريق المطروق أدعى إلى العبرة , فهي شاهد حاضر يراه الرائح والغادي . والحياة تجري من حولها وهي داثرة كأن لم تكن يوما عامرة . والحياة لا تحفلها وهي ماضية في الطريق !
أما أصحاب الحجر فهم قوم صالح , والحجر تقع بين الحجاز والشام إلى وادي القرى , وهي ظاهرة إلى اليوم . فقد نحتوها في الصخر في ذلك الزمان البعيد , مما يدل على القوة والأيد والحضارة .
(ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين). .
وهم لم يكذبوا سوى رسولهم صالح . ولكن صالحا ليس إلا ممثلا للرسل أجمعين ; فلما كذبه قومه قيل:إنهم كذبوا المرسلين . توحيدا للرسالة وللرسل وللمكذبين . في كل أعصار التاريخ , وفي كل جوانب الأرض , على اختلاف الزمان والمكان والأشخاص والأقوام .
(وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين). .
وآية صالح كانت الناقة . ولكن الآيات في هذا الكون كثير . والآيات في هذه الأنفس كثير . وكلها معروضة للأنظار والأفكار . وليست الخارقة التي جاءهم بها صالح هي وحدها الآية التي آتاهم الله . وقد أعرضوا عن آيات الله كلها , ولم يفتحوا لها عينا ولا قلبا , ولم يستشعرها فيهم عقل ولا ضمير .
(وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين , فأخذتهم الصيحة مصبحين , فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون). .
وهذه اللمحة الخاطفة من الأمن في البيوت الحصينة في صلب الجبال , إلى الصيحة التي تأخذهم فلا تبقي لهم مما جمعوا ومما كسبوا ومما بنوا ومما نحتوا شيئا يغني عنهم ويدفع الهلاك الخاطف . . هذه اللمحة تلمس القلب البشري لمسة عنيفة . فما يأمن قوم على أنفسهم أكثر مما يأمن قوم بيوتهم منحوتة في صلب الصخور . وما يبلغ الاطمئنان بالناس في وقت أشد من اطمئنانهم في وقت الصباح المشرق الوديع . . وها هم أولاء