و القرآن العظيم سائر القرآن . والمهم أن وصل هذا النص بآيات خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق والساعة الآتية لا ريب فيها , يشي بالاتصال بين هذا القرآن والحق الأصيل الذي يقوم به الوجود وتقوم عليه الساعة . فهذا القرآن من عناصر ذلك الحق , وهو يكشف سنن الخالق ويوجه القلوب إليها , ويكشف آياته في الأنفس والآفاق ويستجيش القلوب لإدراكها , ويكشف أسباب الهدى والضلال , ومصير الحق والباطل , والخير والشر والصلاح والطلاح . فهو من مادة ذلك الحق ومن وسائل كشفه وتبيانه . وهو أصيل أصالة ذلك الحق الذي خلقت به السماوات والأرض . ثابت ثبوت نواميس الوجود , مرتبط بتلك النواميس . وليس أمرا عارضا ولا ذاهبا . إنما يبقى مؤثرا في توجيه الحياة وتصريفها وتحويلها , مهما يكذب المكذبون , ويستهزيء المستهزئون , ويحاول المبطلون , الذين يعتمدون على الباطل , وهو عنصر طاريء زائل في هذا الوجود .
ومن ثم فإن من أوتي هذه المثاني وهذا القرآن العظيم , المستمد من الحق الأكبر , المتصل بالحق الأكبر . . لا يمتد بصره ولا تتحرك نفسه لشيء زائل في هذه الأرض من أعراضها الزوائل . ولا يحفل مصير أهل الضلال , ولا يهمه شأنهم في كثير ولا قليل . إنما يمضي في طريقه مع الحق الأصيل:
(لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم , ولا تحزن عليهم , واخفض جناحك للمؤمنين . وقل:إني أنا النذير المبين). .
(لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم). .
والعين لا تمتد . إنما يمتد البصر أي يتوجه . ولكن التعبير التصويري يرسم صورة العين ذاتها ممدودة إلى المتاع . وهي صورة طريفة حين يتصورها المتخيل . والمعنى وراء ذلك ألا يحفل الرسول [ ص ] ذلك المتاع الذي آتاه الله لبعض الناس رجالا ونساء - امتحانا وابتلاء - ولا يلقي إليه نظرة اهتمام . أو نظرة استجمال . أو نظرة تمن . فهو شيء زائل وشيء باطل ; ومعه هو الحق الباقي من المثاني والقرآن العظيم .
وهذه اللفتة كافية للموازنة بين الحق الكبير والعطاء العظيم الذي مع الرسول , والمتاع الصغير الذي يتألق بالبريق وهو ضئيل . يليها توجيه الرسول [ ص ] إلى إهمال القوم المتمتعين , والعناية بالمؤمنين , فهؤلاء هم أتباع الحق الذي جاء به , والذي تقوم عليه السماوات والأرض وما بينهما ; وأولئك هم أتباع الباطل الزائل الطاريء على صميم الوجود . .
(ولا تحزن عليهم). .
ولا تهتم لمصيرهم السييء الذي تعلم أن عدل الله يقتضيه , وأن الحق في الساعة يقتضيه . ودعهم لمصيرهم الحق .
(واخفض جناحك للمؤمنين). .
والتعبير عن اللين والمودة والعطف بخفض الجناح تعبير تصويري , يمثل لطف الرعاية وحسن المعاملة ورقة الجانب في صورة محسوسة على طريقة القرآن الفنية في التعبير .
(وقل:إني أنا النذير المبين). .
فذلك هو طريق الدعوة الأصيل . . ويفرد الإنذار هنا دون التبشير لأنه الأليق بقوم يكذبون ويستهزئون ,