ويستبد به الضيق , ويثقل على صدره الكرب , فيزيد هذا كله من وقع الكرب والبلاء . فمن كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بحبل إلى السماء يتعلق به أو يختنق . ثم ليقطع الحبل فيسقط أو ليقطع النفس فيختنق . . ثم لينظر هل ينقذه تدبيره ذاك مما يغيظه !
ألا إنه لا سبيل إلى احتمال البلاء إلا بالرجاء في نصر الله . ولا سبيل إلى الفرج إلا بالتوجه إلى الله . ولا سبيل إلى الاستعلاء على الضر , والكفاح للخلاص إلا بالاستعانة بالله . وكل حركة يائسة لا ثمرة لها ولا نتيجة إلا زيادة الكرب , ومضاعفة الشعور به , والعجز عن دفعه بغير عون الله . . فليستبق المكروب تلك النافذة المضيئة التي تنسم عليه من روح الله . . .
الدرس الخامس:16 - 18 طبيعة القرآن وخضوع المخلوقات لله
بمثل هذا البيان لحالات الهدى والضلال , ولنماذج الهدى والضلال , أنزل الله هذا القرآن ليهتدي به من يفتح له قلبه , فيقسم الله له الهداية:
(وكذلك أنزلناه آيات بينات , وأن الله يهدي من يريد). .
وإرادة الله قد قررت سبق الهدى والضلال . فمن طلب الهدى تحققت إرادة الله بهدايته , وفق سنته , وكذلك من طلب الضلال . إنما يفرد هنا حالة الهدى بالذكر , بمناسبة ما في الآيات من بيان يقتضي الهدى في القلب المستقيم .
فأما الفرق المختلفة في الاعتقاد فأمرها إلى الله يوم القيامة , وهو العليم بكل ما في عقائدها من حق أو باطل , ومن هدى أو ضلال:
(إن الذين آمنوا , والذين هادوا , والصابئين , والنصارى , والمجوس , والذين أشركوا . . إن الله يفصل بينهم يوم القيامة , إن الله على كل شيء شهيد). .
وقد سبق تعريف هذه الفرق . وهي تذكر هنا بمناسبة أن الله يهدي من يريد , وهو أعلم بالمهتدين والضالين , وعليه حساب الجميع , والأمر إليه في النهاية , وهو على كل شيء شهيد .
وإذا كان الناس بتفكيرهم ونزعاتهم وميولهم , فإن الكون كله - فيما عداهم - يتجه بفطرته إلى خالقه , يخضع لناموسه , ويسجد لوجهه:
(ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض , والشمس والقمر والنجوم , والجبال والشجر والدواب , وكثير من الناس , وكثير حق عليه العذاب . ومن يهن الله فما له من مكرم . إن الله يفعل ما يشاء). .
ويتدبر القلب هذا النص , فإذا حشد من الخلائق مما يدرك الإنسان ومما لا يدرك . وإذا حشد من الأفلاك والأجرام . مما يعلم الإنسان ومما لا يعلم . وإذا حشد من الجبال والشجر والدواب في هذه الأرض التي يعيش عليها الإنسان . . إذا بتلك الحشود كلها في موكب خاشع تسجد كلها لله , وتتجه إليه وحده دون سواه . تتجه إليه وحده في وحدة واتساق . إلا ذلك الإنسان فهو وحده الذي يتفرق: (وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب)فيبدو هذا الإنسان عجيبا في ذلك الموكب المتناسق .
وهنا يقرر أن من يحق عليه العذاب فقد حق عليه الهوان: (ومن يهن الله فما له من مكرم). . فلا كرامة إلا بإكرام الله , ولا عزة إلا بعزة الله . وقد ذل وهان من دان لغير الديان .