|
في ظلال القرآن
الكريم
الحج من الاية 25 الى الاية 29 إöنَّ الَّذöينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبöيلö اللَّهö وَالْمَسْجöدö الْحَرَامö الَّذöي جَعَلْنَاهُ لöلنَّاسö سَوَاء الْعَاكöفُ فöيهö وَالْبَادö وَمَن يُرöدْ فöيهö بöإöلْحَادٍ بöظُلْمٍ نُذöقْهُ مöنْ عَذَابٍ أَلöيمٍ (25) وَإöذْ بَوَّأْنَا لöإöبْرَاهöيمَ مَكَانَ الْبَيْتö أَن لَّا تُشْرöكْ بöي شَيْئاً وَطَهّöرْ بَيْتöيَ لöلطَّائöفöينَ وَالْقَائöمöينَ وَالرُّكَّعö السُّجُودö (26) وَأَذّöن فöي النَّاسö بöالْحَجّö يَأْتُوكَ رöجَالاً وَعَلَى كُلّö ضَامöرٍ يَأْتöينَ مöن كُلّö فَجٍّ عَمöيقٍ (27) لöيَشْهَدُوا مَنَافöعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهö فöي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مّöن بَهöيمَةö الْأَنْعَامö فَكُلُوا مöنْهَا وَأَطْعöمُوا الْبَائöسَ الْفَقöيرَ (27) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بöالْبَيْتö الْعَتöيقö (29)
بظلم تذقه من عذاب أليم). . فما بال من يريد ويفعل ? إن التعبير يهدد ويتوعد على مجرد الإرادة زيادة في التحذير , ومبالغة في التوكيد . وذلك من دقائق التعبير . ومن دقائق التعبير كذلك أن يحذف خبر إن في الجملة: (إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام . . .)فلا يذكرهم ما لهم ? ما شأنهم ? ما جزاؤهم كأن مجرد ذكر هذا الوصف لهم يغني عن كل شيء آخر في شأنهم , ويقرر أمرهم ومصيرهم ! الدرس الثاني:26 - 29 إبراهيم وبناء البيت والأذان بالحج ثم يرجع إلى نشأة هذا البيت الحرام , الذي يستبد به المشركون , يعبدون فيه الأصنام , ويمنعون منه الموحدين بالله , المتطهرين من الشرك . . يرجع إلى نشأته على يد إبراهيم - عليه السلام - بتوجيه ربه وإرشاده . ويرجع إلى القاعدة التي أقيم عليها وهي قاعدة التوحيد . وإلى الغرض من إقامته وهو عبادة الله الواحد , وتخصيصه للطائفين به والقائمين لله فيه: وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت ألا تشرك بي شيئا , وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود . وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق , ليشهدوا منافع لهم , ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام , فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير . ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق . . فللتوحيد أقيم هذا البيت منذ أول لحظة . عرف الله مكانه لإبراهيم - عليه السلام - وملكه أمره ليقيمه على هذا الأساس: ألا تشرك بي شيئا فهو بيت الله وحده دون سواه . وليطهره به من الحجيج , والقائمين فيه للصلاة: (وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود)فهؤلاء هم الذين أنشى ء البيت لهم , لا لمن يشركون بالله , ويتوجهون بالعبادة إلى سواه . ثم أمر الله عليه السلام - باني البيت - إذا فرغ من إقامته على الأساس الذي كلف به أن يؤذن في الناس بالحج ; وأن يدعوهم إلى بيت الله الحرام ووعده أن يلبي الناس دعوته , فيتقاطرون على البيت من كل فج , رجالا يسعون على أقدامهم , وركوبا (على كل ضامر)جهده السير فضمر من الجهد والجوع:(وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق). . وما يزال وعد الله يتحقق منذ إبراهيم - عليه السلام - إلى اليوم والغد . وما تزال أفئدة من الناس تهوى إلى البيت الحرام ; وترف إلى رؤيته والطواف به . . الغني القادر الذي يجد الظهر يركبه ووسيلة الركوب المختلفة تنقله ; والفقير المعدم الذي لا يجد إلا قدميه . وعشرات الألوف من هؤلاء يتقاطرون من فجاج الأرض البعيدة تلبية لدعوة الله التي أذن بها إبراهيم - عليه السلام - منذ آلاف الأعوام . . ويقف السياق عند بعض معالم الحج وغاياته: (ليشهدوا منافع لهم , ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير . ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق). . والمنافع التي يشهدها الحجيج كثير . فالحج موسم ومؤتمر . الحج موسم تجارة وموسم عبادة . والحج مؤتمر اجتماع وتعارف , ومؤتمر تنسيق وتعاون . وهو الفريضة التي تلتقي فيها الدنيا والآخرة كما تلتقي فيها ذكريات العقيدة البعيدة والقريبة . . أصحاب السلع والتجارة يجدون في موسم الحج سوقا رائجة , حيث تجبى إلى البلد الحرام ثمرات كل شيء . . من أطراف الأرض ; ويقدم الحجيج من كل فج ومن كل قطر , ومعهم من خيرات بلادهم ما تفرق في أرجاء الأرض في شتى المواسم . يتجمع كله في البلد الحرام في موسم واحد . فهو موسم تجارة ومعرض نتاج ; وسوق عالمية تقام في كل عام . وهو موسم عبادة تصفو فيه الأرواح , وهي تستشعر قربها من الله في بيته الحرام . وهي ترف حول هذا البيت وتستروح الذكريات التي تحوم عليه وترف كالأطياف من قريب ومن بعيد . . طيف إبراهيم الخليل - عليه السلام - وهو يودع البيت فلذة كبده إسماعيل وأمه , ويتوجه بقلبه الخافق الواجف إلى ربه:(ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم . ربنا ليقيموا الصلاة . فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم , وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون). . وطيف هاجر وهي تستروح الماء لنفسها ولطفلها الرضيع في تلك الحرة الملتهبة حول البيت , وهي تهرول بين الصفا والمروة وقد نهكها العطش , وهدها الجهد وأضناها الإشفاق على الطفل . . ثم ترجع في الجولة السابعة وقد حطمها اليأس لتجد النبع يتدفق بين يدي الرضيع الوضيء . وإذا هي زمزم . ينبوع الرحمة فيي صحراء اليأس والجدب . وطيف إبراهيم - عليه السلام - وهو يرى الرؤيا , فلا يتردد في التضحية بفلذة كبده , ويمضي في الطاعة المؤمنة إلى ذلك الأفق البعيد: (قال:يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى ?)فتجيبه الطاعة الراضية في إسماعيل - عليه السلام -: (قال:يا أبت افعل ما تؤمر , ستجدني إن شاء الله من الصابرين). . وإذا رحمة الله تتجلى في الفداء:(وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين . إن هذا لهو البلاء المبين . وفديناه بذبح عظيم). . وطيف إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - يرفعان القواعد من البيت , في إنابة وخشوع: (ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم . ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك , وأرنا مناسكنا وتب علينا , إنك أنت التواب الرحيم). . وتظل هذه الأطياف وتلك الذكريات ترف وتتتابع , حتى يلوح طيف عبد المطلب , وهو ينذر دم ابنه العاشر إن رزقه الله عشرة أبناء . وإذا هو عبد الله . وإذا عبد المطلب حريصا على الوفاء بالنذر . وإذا قومه من حوله يعرضون عليه فكرة الفداء وإذا هو يدير القداح حول الكعبة ويضاعف الفداء , والقدح يخرج في كل مرة على عبد الله , حتى يبلغ الفداء مائة ناقة بعد عشر هي الدية المعروفة . فيقبل منه الفداء , فينحر مائة وينجو عبد الله . ينجو ليودع رحم آمنة أطهر نطفة وأكرم خلق الله على الله - محمد رسول الله [ ص ] - ثم يموت ! فكأنما فداه الله من الذبح لهذا القصد الوحيد الكريم الكبير ! ثم تتواكب الأطياف والذكريات . من محمد رسول الله [ ص ] وهو يدرج في طفولته وصباه فوق هذا الثرى , حول هذا البيت . . وهو يرفع الحجر الأسود بيديه الكريمتين فيضعه موضعه ليطفى ء الفتنة التي كادت تنشب بين القبائل . . وهو يصلي . . وهو يطوف . . وهو يخطب . . وهو يعتكف . . وإن خطواته - عليه الصلاة والسلام - لتنبض حية في الخاطر , وتتمثل شاخصة في الضمير , يكاد الحاج هناك يلمحها وهو مستغرق في تلك الذكريات . . وخطوات الحشد من صحابته الكرام وأطيافهم ترف وتدف فوق هذا الثرى , حول ذلك البيت , تكاد تسمعها الأذن وتكاد تراها الأبصار ! والحج بعد ذلك كله مؤتمر جامع للمسلمين قاطبة . مؤتمر يجدون فيه أصلهم العريق الضارب في أعماق الزمن منذ أبيهم إبراهيم الخليل: (ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا). . ويجدون محورهم الذي يشدهم جميعا إليه:هذه القبلة التي يتوجهون إليها جميعا ويلتقون عليها جميعا . . ويجدون رايتهم التي يفيئون إليها . راية العقيدة الواحدة التي تتوارى في ظلها فوارق الأجناس والألوان والأوطان . . ويجدون قوتهم التي قد ينسونها حينا . قوة التجمع والتوحد والترابط الذي يضم الملايين . الملايين التي لا يقف لها أحد لو فاءت إلى رايتها الواحدة التي لا تتعدد . . راية العقيدة والتوحيد . وهو مؤتمر للتعارف والتشاور وتنسيق الخطط وتوحيد القوى , وتبادل المنافع والسلع والمعارف والتجارب . وتنظيم ذلك العالم الإسلامي الواحد الكامل المتكامل مرة في كل عام . في ظل الله . بالقرب من بيت الله . وفي ظلال الطاعات البعيدة والقريبة , والذكريات الغائبة والحاضرة . في أنسب مكان , وأنسب جو , وأنسب زمان . . فذلك إذ يقول الله سبحانه: (ليشهدوا منافع لهم). . كل جيل بحسب ظروفه وحاجاته وتجاربه ومقتضياته . وذلك بعض ما أراده الله بالحج يوم أن فرضه على المسلمين , وأمر إبراهيم - عليه السلام - أن يؤذن به في الناس . ويمضي السياق يشير إلى بعض مناسك الحج وشعائره وأهدافها: (ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام). . وهذه كناية عن نحر الذبائح في أيام العيد وأيام التشريق الثلاثة بعده . والقرآن يقدم ذكر اسم الله المصاحب لنحر الذبائح , لأن الجو جو عبادة ولأن المقصود من النحر هو التقرب إلى الله . ومن ثم فإن أظهر ما يبرز في عملية النحر هو ذكر اسم الله على الذبيحة . وكأنما هو الهدف المقصود من النحر لا النحر ذاته . . والنحر ذكرى لفداء إسماعيل - عليه السلام - فهو ذكرى لآية من آيات الله وطاعة من طاعات عبديه إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - فوق ما هو صدقة وقربى لله بإطعام الفقراء . وبهيمة الأنعام هي الإبل والبقر والغنم والمعز . (فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير). . والأمر بالأكل من الذبيحة يوم النحر هو أمر للإباحة أو الاستحباب . أما الأمر بإطعام البائس الفقير منها فهو أمر للوجوب . ولعل المقصود من أكل صاحبها منها أن يشعر الفقراء أنها طيبة كريمة . وبالنحر ينتهي الإحرام فيحل للحاج حلق شعره أو تقصيره , ونتف شعر الإبط , وقص الأظافر والاستحمام . مما كان ممنوعا عليه في فترة الإحرام . وهو الذي يقول عنه: (ثم ليقضوا تفثهم , وليوفوا نذورهم)التي نذروها من الذبائح غير الهدي الذي هو من أركان الحج . (وليطوفوا بالبيت العتيق). . طواف الإفاضة بعد الوقوف بعرفات , وبه تنتهي شعائر الحج . وهو غير طواف الوداع . والبيت العتيق هو المسجد الحرام أعفاه الله فلم يغلب عليه جبار . وأعفاه الله من البلى والدثور , فما يزال معمورا منذ إبراهيم عليه السلام ولن يزال . الدرس الثالث:30 - 31 توحيد الله وتعظيم حرماته وضياع من أشرك به تلك قصة بناء البيت الحرام . وذلك أساسه الذي قام عليه . . بيت أمر الله خليله إبراهيم - عليه السلام - بإقامته على التوحيد , وتطهيره من الشرك , وأمره أن يؤذن في الناس بالحج إليه . ليذكروا اسم الله - لا أسماء السابق - التالي
|