الأهواء تخطف الجوارح , وتتقاذفه الأوهام تقاذف الرياح . وهو لا يمسك بالعروة الوثقى , ولا يستقر على القاعدة الثابتة , التي تربطه بهذا الوجود الذي يعيش فيه . الدرس الرابع 3233 تعظيم شعائر الله وذبح الهدي في الحرم
ثم يعود السياق من تعظيم حرمات الله باتقائها والتحرج من المساس بها . . إلى تعظيم شعائر الله - وهي ذبائح الحج - باستسمانها وغلاء أثمانها:
(ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب . لكم فيها منافع إلى أجل مسمى , ثم محلها إلى البيت العتيق).
ويربط بين الهدى الذي ينحره الحاج وتقوى القلوب ; إذ أن التقوى هي الغاية من مناسك الحج وشعائره . وهذه المناسك والشعائر إن هي إلا رموز تعبيرية عن التوجه إلى رب البيت وطاعته . وقد تحمل في طياتها ذكريات قديمة من عهد إبراهيم - عليه السلام - وما تلاه . وهي ذكريات الطاعة والإنابة , والتوجه إلى الله منذ نشأة هذه الأمة المسلمة . فهي والدعاء والصلاة سواء .
وهذه الأنعام التي تتخذ هديا ينحر في نهاية أيام الإحرام يجوز لصاحبها الإنتفاع بها . إن كان في حاجة إليها يركبها , أو في حاجة إلى ألبانها يشربها , حتى تبلغ محلها - أي مكان حلها - وهو البيت العتيق . ثم تنحر هناك ليأكل منها . ويطعم البائس الفقير .
"وقد كان المسلمون على عهد النبي [ ص ] يغالون في الهدي , يختارونه سمينا غالي الثمن , يعلنون بها عن تعظيمهم لشعائر الله , مدفوعين بتقوى الله . روى عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال:أهدي عمر نجيبا فأعطى بها ثلاث مائة دينار , فأتى النبي [ ص ] فقال:يا رسول الله إني أهديت نجيبا , فأعطيت بها ثلاث مائة دينار . أفأبيعها وأشتري بثمنها بدنا ? قال:" لا . انحرها إياها " .
والناقة النجيب التي جاءت هدية لعمر - رضي الله عنه - وقومت بثلاث مائة دينار لم يكن عمر - رضي الله عنه - يريد أن يضن بقيمتها , بل كان يريد أن يبيعها فيشتري بها نوقا أو بقرا للذبح . فشاء رسول الله [ ص ] أن يضحي بالنجيب ذاتها لنفاستها وعظم قيمتها , ولا يستبدل بها نوقا كثيرة , قد تعطي لحما أكثر , ولكنها من ناحية القيمة الشعورية أقل . والقيمة الشعورية مقصودة (فإنها من تقوى القلوب). وهذا هو المعنى الذي لحظه رسول الله [ ص ] وهو يقول لعمر - رضي الله عنه - " انحرها إياها " هي بذاتها لا سواها !
الدرس الخامس:34 - 37 التوجه بمناسك الحج إلى الله وصفات المخبتين والبعد الإيماني التربوي للهدي والذبائح
هذه الذبائح يذكر القرآن الكريم أنها شعيرة معروفة في شتى الأمم ; إنما يوجهها الإسلام وجهتها الصحيحة حين يتوجه بها إلى الله وحده دون سواه:
(ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام . فإلهكم إله واحد . فله أسلموا وبشر المخبتين , الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم , والصابرين على ما أصابهم , والمقيمي الصلاة , ومما رزقناهم ينفقون). .