الشر والفساد , وحققوا بهذا وذاك صفة الأمة المسلمة التي لا تبقى على منكر وهي قادرة على تغييره , ولا تقعد عن معروف وهي قادرة على تحقيقه . . هؤلاء هم الذين ينصرون الله , إذ ينصرون نهجه الذي أراده للناس في الحياة , معتزين بالله وحده دون سواه . وهؤلاء هم الذين يعدهم الله بالنصر على وجه التحقيق واليقين .
فهو النصر القائم على أسبابه ومقتضياته . المشروط بتكاليفه وأعبائه . . والأمر بعد ذلك لله , يصرفه كيف يشاء , فيبدل الهزيمة نصرا , والنصر هزيمة , عندما تختل القوائم , أو تهمل التكاليف: (ولله عاقبة الأمور). .
إنه النصر الذي يؤدي إلى تحقيق المنهج الإلهي في الحياة . من انتصار الحق والعدل والحرية المتجهة إلى الخير والصلاح . المنظور فيه إلى هذه الغاية التي يتوارى في ظلها الأشخاص والذوات , والمطامع والشهوات . .
وهو نصر له سببه . وله ثمنه . وله تكاليفه . وله شروطه . فلا يعطى لأحد جزافا أو محاباة ولا يبقى لأحد لا يحقق غايته ومقتضاه . .
الوحدة الثالثة:42 - 57 الموضوع:نصر الله للرسول وإهلاكه لأعدائهم وتطمين الرسول والمسلمين بذلك
موضوع الوحدة انتهى الدرس السابق عند الإذن بالقتال لحماية العقائد والشعائر ; ووعد الله بالنصر لمن ينهضون بتكاليف العقيدة , ويحققون النهج الإلهي في حياة الجماعة .
وإذ انتهى من بيان تكاليف الأمة المؤمنة أنشأ يطمئن الرسول [ ص ] إلى تدخل يد القدرة الإلهية لنصره ; ولخذلان أعدائه , كما تدخلت من قبل لنصرة إخوانه الرسل - عليهم السلام - وأخذ المكذبين على مدار الأجيال . وأخذ يوجه المشركين إلى تأمل مصارع الغابرين إن كانت لهم قلوب للتأمل والتدبر , فإنها لا تعمي الأبصار , ولكن تعمي القلوب التي في الصدور .
ثم يطمئن الرسول [ ص ] إلى أن الله يحمي رسله من كيد الشيطان كما يحميهم من كيد المكذبين . ويبطل ما يحاوله الشيطان ويحكم آياته ويجلوها للقلوب السليمة . فأما القلوب المريضة والقلوب الكافرة فتظل الريبة فيها حتى تنتهي بها إلى شر مصير . .
فالدرس كله بيان لآثار يد القدرة وهي تتدخل في سير الدعوة , بعد أن يؤدي أصحابها واجبهم , وينهضوا بتكاليفهم التي سبق بها الدرس الماضي في السياق .
الدرس الأول:42 - 48 توجيه الكفار للإعتبار من هلاك الكفار السابقين
(وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود , وقوم إبراهيم , وقوم لوط , وأصحاب مدين , وكذب موسى , فأمليت للكافرين ثم أخذتهم , فكيف كان نكير ?). .
فهي سنة مطردة في الرسالات كلها , قبل الرسالة الأخيرة , أن يجيء الرسل بالآيات فيكذب بها المكذبون . فليس الرسول [ ص ] بدعا من الرسل حين يكذبه المشركون . والعاقبة معروفة , والسنة مطردة (فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط). . ويفرد موسى بفقرة خاصة: (وكذب موسى)أولا . لأنه لم يكذب من قومه كما كذب هؤلاء من قومهم , إنما كذب من فرعون وملئه . وثانيا لوضوح الآيات التي جاء بها موسى وتعددها وضخامة الأحداث التي صاحبتها . . وفي جميع تلك الحالات أملى الله للكافرين حينا من الزمان - كما يملي لقريش - ثم أخذهم أخذا شديدا . . وهنا سؤال للتهويل والتعجيب: (فكيف كان نكير ?). . والنكير هو الإنكار العنيف المصحوب بالتغيير . والجواب معروف . فهو نكير مخيف ! نكير الطوفان والخسف والتدمير والهلاك والزلازل والعواصف والترويع . .
وبعد الاستعراض السريع لمصارع أولئك الأقوام يعمم في عرض مصارع الغابرين:
فكأي من قرية أهلكناها وهي ظالمة , فهي خاوية على عروشها ; وبئر معطلة , وقصر مشيد .
فهي كثيرة تلك القرى المهلكة بظلمها . والتعبير يعرض مصارعها في مشهد شاخص مؤثر: (فهي خاوية على عروشها). . والعروش السقوف , وتكون قائمة على الجدران عند قيام البناء . فإذا تهدم خرت العروش