ومرد ذلك التفاوت وهذا الجزاء بالحسنى للجميع , إلى ما يعلمه الله من تقدير أحوالهم , وما وراء أعمالهم من عزائمهم ونواياهم . وخبرته تعالى بحقيقة ما يعملون:(والله بما تعملون خبير). .
وهي لمسة موقظة للقلوب , في عالم النوايا المضمرة وراء الأعمال الظاهرة , وهي التي تناط بها القيم , وترجح بها الموازين . .
الدرس الثامن:11 - 15 مشهد من مشاهد المرور على الصراط بين المؤمنين والمنافقين
ثم مرحلة أخرى في استجاشة القلوب للإيمان والبذل , ومؤثرات أخرى وراء تلك المؤثرات:
(من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم ? يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم . بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها . ذلك هو الفوز العظيم . يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا:انظرونا نقتبس من نوركم . قيل:ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا . فضرب بينهم بسور له باب , باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب . ينادونهم:ألم نكن معكم ? قالوا:بلى ! ولكنكم فتنتم أنفسكم , وتربصتم , وارتبتم , وغرتكم الأماني , حتى جاء أمر الله , وغركم بالله الغرور . فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا , مأواكم النار هي مولاكم , وبئس المصير). .
إنه هتاف موح مؤثر آسر . وهو يقول للعباد الفقراء المحاويج: (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ?). . ومجرد تصور المسلم أنه هو الفقير الضئيل يقرض ربه , كفيل بأن يطير به إلى البذل طيرانا ! إن الناس ليتسابقون عادة إلى إقراض الثري المليء منهم - وهم كلهم فقراء - لأن السداد مضمون . ولهم الاعتزاز بأن أقرضوا ذلك الثري المليء ! فكيف إذا كانوا يقرضون الغني الحميد ?!
ولا يكلهم - سبحانه - إلى هذا الشعور وحده , ولكن يعدهم على القرض الحسن , الخالص له , المجرد من كل تلفت إلى سواه . يعدهم عليه الضعف في المقدار , والأجر الكريم بعد ذلك من عند الله: (فيضاعفه له , وله أجر كريم).
ثم يعرض لهم صفحة وضيئة من ذلك الأجر الكريم , في مشهد من مشاهد اليوم الذي يكون فيه ذلك الأجر الكريم .
"والمشهد هنا بإجماله وتفصيله جديد - بين المشاهد القرآنية - وهو من المشاهد التي يحييها الحوار بعد أن ترسم صورتها المتحركة رسما قويا . فنحن الذين نقرأ القرآن اللحظة نشهد مشهدا عجيبا . هؤلاء هم المؤمنون والمؤمنات نراهم . ولكننا نرى بين أيديهم وبأيمانهم إشعاعا لطيفا هادئا . ذلك نورهم يشع منهم ويفيض بين أيديهم . فهذه الشخوص الإنسانية قد أشرقت وأضاءت وأشعت نورا يمتد منها فيرى أمامها ويرى عن يمينها . . إنه النور الذي أخرجها الله إليه وبه من الظلمات . والذي أشرق في أرواحها فغلب على طينتها . أم لعله النور الذي خلق الله منه هذا الكون وما فيه ومن فيه , ظهر بحقيقته في هذه المجموعة التي حققت في ذواتها حقيقتها !
"ثم ها نحن أولاء نسمع ما يوجه إلى المؤمنين والمؤمنات من تكريم وتبشير: (بشراكم اليوم جنات تجري