|
في ظلال القرآن
الكريم
الحديد من الاية 13 الى الاية 15 يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافöقُونَ وَالْمُنَافöقَاتُ لöلَّذöينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبöسْ مöن نُّورöكُمْ قöيلَ ارْجöعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمöسُوا نُوراً فَضُرöبَ بَيْنَهُم بöسُورٍ لَّهُ بَابñ بَاطöنُهُ فöيهö الرَّحْمَةُ وَظَاهöرُهُ مöن قöبَلöهö الْعَذَابُ (13) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكöنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانöيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهö وَغَرَّكُم بöاللَّهö الْغَرُورُ (14) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مöنكُمْ فöدْيَةñ وَلَا مöنَ الَّذöينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هöيَ مَوْلَاكُمْ وَبöئْسَ الْمَصöيرُ (15)
من تحتها الأنهار خالدين فيها , ذلك هو الفوز العظيم). . ولكن المشهد لا ينتهي عند هذا المنظر الطريف اللطيف . . إن هناك المنافقين والمنافقات , في حيرة وضلال , وفي مهانة وإهمال . وهم يتعلقون بأذيال المؤمنين والمؤمنات: (يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا:انظرونا نقتبس من نوركم). . فحيثما تتوجه أنظار المؤمنين والمؤمنات يشع ذلك النور اللطيف الشفيف . ولكن أنى للمنافقين أن يقتبسوا من هذا النور وقد عاشوا حياتهم كلها في الظلام ? إن صوتا مجهلا يناديهم: (قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا). . ويبدو أنه صوت للتهكم , والتذكير بما كان منهم في الدنيا من نفاق ودس في الظلام:ارجعوا وراءكم إلى الدنيا . إلى ما كنتم تعملون . ارجعوا فالنور يلتمس من هناك . من العمل في الدنيا . ارجعوا فليس اليوم يلتمس النور ! "وعلى الفور يفصل بين المؤمنين والمؤمنات والمنافقين والمنافقات . فهذا يوم الفصل إن كانوا في الدنيا مختلطين في الجماعة: (فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب). . ويبدو أنه سور يمنع الرؤية ولكنه لا يمنع الصوت . فهاهم أولاء المنافقون ينادون المؤمنين: (ألم نكن معكم ?). . فما بالنا نفترق عنكم ? ألم نكن معكم في الدنيا نعيش في صعيد واحد ? وقد بعثنا معكم هنا في صعيد واحد ? (قالوا:بلى !)كان الأمر كذلك . (ولكنكم فتنتم أنفسكم). . فصرفتموها عن الهدى .(وتربصتم). . فلم تعزموا ولم تختاروا الخيرة الحاسمة .(وارتبتم). . فلم يكن لكم من اليقين ما تعزمون به العزمة الأخيرة . (وغرتكم الأماني). . الباطلة في أن تنجوا وتربحوا بالذبذبة وإمساك العصا من طرفيها ! (حتى جاء أمر الله). . وانتهى الأمر . (وغركم بالله الغرور). . وهو الشيطان الذي كان يطمعكم ويمنيكم" . "ثم يستطرد المؤمنين في التذكير والتقرير , كأنما هم أصحاب الموقف المحكمون فيه:" (فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا , مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير). . أم لعلها كلمة الملأ الأعلى , أو نطق الله الكريم . . "وننظر من ناحية التناسق الفني في عرض المشهد , فنجد لاختيار مشهد النور في هذا الموضع بالذات حكمة خاصة . . إن الحديث هنا عن المنافقين والمنافقات . . والمنافقون والمنافقات يخفون باطنهم ويتظاهرون بغير ما في الضمير المكنون , ويعيشون في ظلام من النفاق والدس والوقيعة . والنور يكشف المخبوء ويفضح المستور . كما أن الصفحة المقابلة الوضيئة لصفحة النفاق المظلمة المطموسة . فهو أليق شيء بأن تطلق أشعته على المشهد الكبير . وبأن ينير بين أيدي المؤمنين والمؤمنات وبأيمانهم , بينما المنافقون في الظلام الذي يناسب ظلمات الضمير وظلمات الخفاء المستور ! " وبعد فأي قلب لا يهفو لذلك النور في ذلك اليوم ? وأي قلب لا يستجيب لهتاف الإنفاق والبذل تحت إيقاع تلك الموحيات العميقة التأثير ? إنه القرآن يعالج القلوب في ثبات واطراد , ويدعوها دعاء العليم الخبير بطبيعتها ومداخلها ومساربها ; وما تستجيب له وما يؤثر فيها . والشوط الثاني في السورة استطراد في الدعاء , ومزيد من موحيات الاستجابة , على هذا المنهج , وفي هذا الطريق . . الوحدة الثانية:16 - 26 الموضوع:دعوة إلى الخشوع والإنفاق والتسابق للخير وقيمة الدنيا بالقياس للآخرة وتاريخ الرسل والرسالات مقدمة الوحدة هذا الشوط امتداد لموضوع السورة الرئيسي:تحقيق حقيقة الإيمان في النفس , حتى ينبثق عنها البذل الخالص في سبيل الله . وفيه من موحيات الإيمان , ومن الإيقاعات المؤثرة , قريب مما اشتمل عليه الشوط الأول , بعد ذلك المطلع العميق المثير . وهو يبدأ برنة عتاب من الله - سبحانه - للمؤمنين , الذين لم يصلوا إلى تلك المرتبة التي يريدها الله لهم ; وتلويح لهم بما كان من أهل الكتاب قبلهم من قسوة في القلوب وفسق في الأعمال , وتحذير من هذا المآل , الذي انتهى إليه أهل الكتاب بطول الأمد عليهم . مع إطماعهم في عون الله الذي يحيي القلوب كما يحيي الأرض بعد موتها . فإذا انتهت هذه اللمسة تبعتها لمسة أخرى - مجالها العالم الآخر - وتكررت الدعوة إلى إقراض الله قرضا حسنا , مع بيان ما أعده الله لمن يقرضونه في الدنيا من العوض المضاعف والأجر الكريم . . على نحو مما جاء في الشوط الأول . ولمسة ثالثة بوضع قيم الدنيا كلها في ميزان الله إلى جانب قيم الآخرة . . حيث تبدو قيم الأرض لعبا خفيفة الوزن ; وترجح كفة الآخرة ويبدو فيها الجد الذي يستحق الاهتمام . ومن ثم يهتف بهم ليسابقوا إلى قيم الآخرة . . في جنة عرضها كعرض السماء والأرض . أعدت للذين آمنوا بالله ورسله . ولمسة رابعة ترجع بهم من ساحة الآخرة إلى ما هم فيه من واقع الحياة وأحداثها , فتعلق قلوبهم بقدر الله فيها . في السراء والضراء سواء . ومن ثم يهون عليهم البذل , ولا يزدهيهم من أعراض الأرض شيء ; وترتبط أحاسيسهم كلها بالسماء . وبعد ذلك يعرض عليهم طرفا من تاريخ دعوة الله في الأرض , تبدو فيه وحدة المنهج , واستقامة الطريق . وأن الذي يحيد عنه في كل عهد هم الفاسقون . ويلوح لهم بما كان من بعض أهل الكتاب كما لوح لهم في أول الشوط . لينتهي من هذا الهتاف الأخير لهم بتقوى الله والإيمان برسوله , ليؤتيهم كفلين من رحمته , ويجعل لهم نورا يمشون به ويغفر لهم . ففضل الله ليس وقفا على أهل الكتاب كما يزعمون . إنما هو بيد الله يؤتيه من يشاء (والله ذو الفضل العظيم). . وهكذا تكون السورة من أولها إلى آخرها مترابطة الحلقات , في خط واحد ثابت , تتوالى إيقاعاتها على القلوب , السابق - التالي
|