يده وحمل بسيفه حتى قتل" . . وقد روي أن هذا كان هو عبير بن الحمام عليه رضوان الله . وبينما الصديقون في ذلك المقام والشهداء في هذا المقام يقول النص القرآني عن الكافرين المكذبين:
(والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم). .
فمن ذا الذي يترك الكرامة والنعيم , ويختار أن يكون من أصحاب الجحيم ?!
الدرس الثالث:20 - 21 قيمة الدنيا في مقابل الآخرة والدعوة للتسابق فيها
واللمسة الثالثة في هذا الشوط تجيء تعقيبا على دعوة الإيمان والبذل , ودعوة الفداء والتضحية . تعقيبا يصور الدنيا كلها بصورة هزيلة زهيدة تهون من شأنها وترفع النفوس عنها , وتعلقها بالآخرة وقيمها:
(اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة , وتفاخر بينكم , وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته , ثم يهيج فتراه مصفرا , ثم يكون حطاما . وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان . وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور). .
والحياة الدنيا حين تقاس بمقاييسها هي وتوزن بموازينها تبدو في العين وفي الحس أمرا عظيما هائلا . ولكنها حين تقاس بمقاييس الوجود وتوزن بميزان الآخرة تبدو شيئا زهيدا تافها . وهي هنا في هذا التصوير تبدوا لعبة أطفال بالقياس إلى ما في الآخرة من جد تنتهي إليه مصائر أهلها بعد لعبة الحياة !
لعب . ولهو . وزينة . وتفاخر . وتكاثر . . . هذه هي الحقيقة وراء كل ما يبدوا فيها من جد حافل واهتمام شاغل . . ثم يمضي يضرب لها مثلا مصورا على طريقة القرآن المبدعة . . (كمثل غيث أعجب الكفار نباته). . والكفار هنا هم الزراع . فالكافر في اللغة هو الزارع , يكفر أي يحجب الحبة ويغطيها في التراب . ولكن اختياره هنا فيه تورية وإلماع إلى إعجاب الكفار بالحياة الدنيا ! (ثم يهيج فتراه مصفرا)للحصاد . فهو موقوت الأجل , ينتهي عاجلا , ويبلغ أجله قريبا (ثم يكون حطاما). . وينتهي شريط الحياة كلها بهذه الصورة المتحركة المأخوذة من مشاهدات البشر المألوفة . . ينتهي بمشهد الحطام !
فأما الآخرة فلها شأن غير هذا الشأن , شأن يستحق أن يحسب حسابه , وينظر إليه , ويستعد له: (وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان). . فهي لا تنتهي في لمحة كما تنتهي الحياة الدنيا . وهي لا تنتهي إلى حطام كذلك النبات البالغ أجله . . إنها حساب وجزاء . . ودوام . . يستحق الاهتمام !
(وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور). .
فما لهذا المتاع حقيقة ذاتية , إنما يستمد قوامه من الغرور الخادع ; كما أنه يلهي وينسي فينتهي بأهله إلى غرور خادع .
وهي حقيقة حين يتعمق القلب في طلب الحقيقة . حقيقة لا يقصد بها القرآن العزلة عن حياة الأرض , ولا إهمال عمارتها وخلافتها التي ناطها بهذا الكائن البشري . إنما يقصد بها تصحيح المقاييس الشعورية والقيم النفسية , والاستعلاء على غرور المتاع الزائل وجاذبيته المقيدة بالأرض . هذا الاستعلاء الذي كان المخاطبون بهذه السورة في حاجة إليه ليحققوا إيمانهم . والذي يحتاج إليه كل مؤمن بعقيدة , ليحقق عقيدته ; ولو اقتضى تحقيقها أن يضحي بهذه الحياة الدنيا جميعا .