أنزل الله الحديد (فيه بأس شديد). . وهو قوة في الحرب والسلم (ومنافع للناس). . وتكاد حضارة البشر القائمة الآن تقوم على الحديد . (وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب). وهي إشارة إلى الجهاد بالسلاح ; تجيء في موضعها في السورة التي تتحدث عن بذل النفس والمال . ولما تحدث عن الذين ينصرون الله ورسله بالغيب , عقب على هذا بإيضاح معنى نصرهم لله ورسله , فهو نصر لمنهجه ودعوته , أما الله سبحانه فلا يحتاج منهم إلى نصر: (إن الله قوي عزيز). .
ولما انتهى من تقرير وحدة الرسالة في جوهرها وكتابها وميزانها عاد يقرر وحدتها في رجالها , فهم من ذرية نوح وإبراهيم .
(ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب). .
فهي شجرة واحدة باسقة , متشابكة الفروع , فيها النبوة والكتاب . ممتدة من فجر البشرية منذ نوح , حتى إذا انتهت إلى إبراهيم , تفرعت وامتدت وانبثقت النبوات من ذلك الفرع الكبير الذي صار أصلا باسقا ممتدا إلى آخر الرسالات .
فأما الذرية التي جاءتها النبوات والكتب فلم تكن على شاكلة واحدة: (فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون). .
وهو تلخيص قصير لذلك الخط الطويل !
وقرب نهاية الخط يجيء عيسى بن مريم:
ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى بن مريم . .
أي على آثار السابقين من ذرية نوح وإبراهيم . فكانت الرسالة ممتدة واحدة على إثر واحدة حتى جاء عيسى ابن مريم .
ويذكر هنا صفة بارزة من صفات الذين اتبعوا عيسى بن مريم: (وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة). . وهم الثمرة الطبيعية لدعوة المسيح - عليه السلام - وروحها السمحة وتطهرها الروحي , وشفافيتها الوضيئة والرأفة والرحمة ظاهرة واضحة في المؤمنين حقيقة برسالة عيسى عليه السلام , ممن أحسنوا اتباعه . وقد أشارت إليها آيات أخرى في القرآن الكريم , كما حفظ منها التاريخ صورا يرويها الرواة عن النجاشي وعن وفد نجران وعن أفراد ممن وفدوا على دار الإسلام بعد ظهوره راغبين في الإسلام , بحكم ما استقر في قلوبهم من الحق , مذ كانوا أتباع عيسى بن مريم بحق .
كذلك يذكر النص هنا ظاهرة أخرى عرفت في تاريخ أتباع المسيح عيسى بن مريم: (ورهبانية ابتدعوها - ما كتبناها عليهم - إلا ابتغاء رضوان الله). .
والراجح في تفسير الآية أن هذه الرهبانية التي عرفها تاريخ المسيحية كانت اختيارا من بعض أتباع عيسى عليه السلام , ابتدعوها من عند أنفسهم ابتغاء رضوان الله , وابتعادا عن أوضار الحياة , ولم يكتبها الله عليهم ابتداء . ولكنهم حين اختاروها وأوجبوها على أنفسهم صاروا مرتبطين أمام الله بأن يرعوا حقوقها , ويحافظوا على مقتضياتها من تطهر وترفع , وقناعة وعفة , وذكر وعبادة . . مما يحقق في أنفسهم حقيقة التجرد لله , التي قصدوا إليها بهذه الرهبانية التي ابتدعوها .
ولكنها انتهت إلى أن تصبح في الغالب طقوسا وشعائر خالية من الروح , وأن يتخذها الكثيرون مظهرا عاريا من الحقيقة . فلا يصبر على تكاليفها إلا عدد منهم قليل: