الرفيق , والحساسية الشفيفة . كالشعور بعلم الله يتلطف في الاطلاع على ذات الصدور , الساكنة في خبايا الصدور ! الدرس السابع:7 - 10 الدعوة إلى الإيمان والإنفاق ومنازل المؤمنين وفضل السابقين
هذا المطلع بإيقاعاته تلك , يدع القلوب في حساسية مرهفة للتلقي . ومن ثم يجيء الهتاف لها بالإيمان والبذل في أنسب أوان . وقد تفتحت مداخلها , وتوفزت مشاعرها , واستعدت للاستماع . وهنا يجيء ذلك الهتاف في المقطع التالي في السياق . ولكنه لا يجيء مجردا . إنما يجيء ومعه مؤثراته وإيقاعاته ولمساته:
(آمنوا بالله ورسوله , وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه , فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير . وما لكم لا تؤمنون بالله , والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم , وقد أخذ ميثاقكم ? إن كنتم مؤمنين . هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور , وإن الله بكم لرؤوف رحيم . وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات والأرض ? لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل , أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى , والله بما تعملون خبير). .
إن الله - سبحانه - يخاطب القلوب التي خلقها , فهو يعلم أحوالها , ويعرف مداخلها , ويطلع على خوافيها . . وهو يعلم أن نقاء العقيدة , وخلوص القلب , واستقرار حقيقة الإيمان استقرارا تنبثق منه آثاره ونتائجه في واقع الحياة , من بذل وتضحية وتقدمة خالصة لله . أن هذا أمر يكلف الطاقة البشرية كثيرا ; ويحتاج منها إلى جهد ومجاهدة طويلة . ومن ثم يحشد لها هذه الإيقاعات وهذه المؤثرات ; ويكشف لها عن الحقائق الكونية لتراها وتتأثر بها , وتزن كل شيء بميزانها الكبير الدقيق . ويعالجها المرة بعد المرة , والخطوة بعد الخطوة ;
ولا يكلها إلى هتاف واحد , أو بيان واحد , أو مؤثر واحد يوقع على أوتارها ثم يغيب . . ومنهج القرآن الإلهي في علاج القلوب جدير بأن يقف الدعاة إلى الله أمامه طويلا ; ليتدبروه ويحاولوا أن يقلدوه !
إن الإيقاعات الأولى في مطلع السورة من القوة والتوالي والعمق والتأثير , بحيث تزلزل القلوب الجامدة , وتلين القلوب القاسية , وتدعها مرهفة الحساسية . ولكن القرآن لا يكل قلوب المخاطبين إلى هذه اللمسات الأولى , وهو يدعوهم إلى الإيمان والبذل في الفقرة التالية:
(آمنوا بالله ورسوله , وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه). .
والمخاطبون هنا هم مسلمون , ولكنهم يدعون إلى الإيمان بالله ورسوله . فهي إذن حقيقة الإيمان يدعون لتحقيقها في قلوبهم بمعناها . وهي لفتة دقيقة . وهم يدعون إلى الإنفاق , ومع الدعوة لمسة موحية . فهم لا ينفقون من عند أنفسهم . إنما ينفقون مما استخلفهم الله فيه من ملكه . وهو الذي (له ملك السماوات والأرض). . فهو الذي استخلف بني آدم جملة في شيء من ملكه . وهو الذي (يحيي ويميت). . فهو الذي استخلف جيلا منهم بعد جيل .
وهكذا ترتبط هذه الإشارة بما سبق من الحقائق الكلية في مطلع السورة . ثم تقوم هي بدورها في استثارة الخجل والحياء من الله , وهو المالك الذي استخلفهم وأعطاهم , فماذا هم قائلون حين يدعوهم إلى إنفاق شيء مما استخلفهم فيه ومما أعطاهم ?! وفي نهنهة النفوس عن الشح , والله هو المعطي ولا نفاد لما عنده , فماذا يمسكهم عن البذل والعطاء , وما في أيديهم رهن بعطاء الله ?!
ولكنه لا يكلهم إلى هذا التذكير وما يثيره من خجل وحياء , ومن سماحة ورجاء . إنما يخاطبهم بمؤثر جديد . يخجلهم من كرم الله ويطمعهم في فضله: