أو تركه كذلك قائما , وبيان حكم الله فيه . وقد دخل نفوس بعض المسلمين شيء من هذا:(ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله , وليخزي الفاسقين). . واللينة الجيدة من النخل , أو نوع جيد منه معروف للعرب إذ ذاك . وقد قطع المسلمون بعض نخل اليهود , وأبقوا بعضه . فتحرجت صدورهم من الفعل ومن الترك . وكانوا منهيين قبل هذا الحادث وبعده عن مثل هذا الاتجاه في التخريب والتحريق . فاحتاج هذا الاستثناء إلى بيان خاص , يطمئن القلوب . فجاءهم هذا البيان يربط الفعل والترك بإذن الله . فهو الذي تولى بيده هذه الموقعة ; وأراد فيها ما أراد , وأنفذ فيها ما قدره , وكان كل ما وقع من هذا بإذنه . أراد به أن يخزي الفاسقين . وقطع النخيل يخزيهم بالحسرة على قطعه ; وتركه يخزيهم بالحسرة على فوته . وإرادة الله وراء هذا وذاك على السواء .
بذلك تستقر قلوب المؤمنين المتحرجة , وتشفى صدورهم مما حاك فيها , وتطمئن إلى أن الله هو الذي أراد وهو الذي فعل . والله فعال لما يريد . وما كانوا هم إلا أداة لإنفاذ ما يريد .
الدرس الرابع:6 - 10 توزيع الفيء وثلاث فئات للمجتمع الإسلامي المهاجرون والأنصار والخلف
فأما المقطع الثاني في السورة فيقرر حكم الفيء الذي أفاءه الله على رسوله في هذه الوقعة وفيما يماثلها , مما لم يتكلف فيه المسلمون غزوا ولا قتالا . . أي الوقائع التي تولتها يد الله جهرة ومباشرة وبدون ستار من الخلق كهذه الوقعة:
وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب . ولكن الله يسلط رسله على من يشاء , والله على كل شيء قدير . ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل . كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم . وما آتاكم الرسول فخذوه . وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله , إن الله شديد العقاب . للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم , يبتغون فضلا من الله ورضوانا , وينصرون الله ورسوله , أولئك هم الصادقون . والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم , ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا , ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة . ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون . والذين جاءوا من بعدهم يقولون:ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان , ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا . ربنا إنك رؤوف رحيم . .
وهذه الآيات التي تبين حكم الله في هذا الفيء وأمثاله , تحوي في الوقت ذاته وصفا لأحوال الجماعة المسلمة في حينها ; كما تقرر طبيعة الأمة المسلمة على توالي العصور , وخصائصها المميزة التي تترابط بها وتتماسك على مدار الزمان , لا ينفصل فيها جيل عن جيل , ولا قوم عن قوم , ولا نفس عن نفس , في الزمن المتطاول بين أجيالها المتعاقبة في جميع بقاع الأرض . وهي حقيقة ضخمة كبيرة ينبغي الوقوف أمامها طويلا في تدبر عميق . .
(وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب , ولكن الله يسلط رسله على من يشاء , والله على كل شيء قدير).
والإيجاف:الركض والإسراع . والركاب:الجمال . والآية تذكر المسلمين أن هذا الفيء الذي خلفه وراءهم بنو النضير لم يركضوا هم عليه خيلا , ولم يسرعوا إليه ركبا , فحكمه ليس حكم الغنيمة التي أعطاهم الله أربعة أخماسها , واستبقى خمسها فقط لله والرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل , كما حكم الله في غنائم بدر الكبرى . إنما حكم هذا الفيء أنه كله لله والرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل . والرسول [ ص ] هو الذي يتصرف فيه كله في هذه الوجوه . وذو القربى المذكورون