العابد السائح الذي يجول في متحف من إبداع أحسن الخالقين . فكيف بمن يقضي عمره كله في هذا المتاع الرفيع ? إن القرآن بمثل هذه اللمسة يخلق الإنسان خلقا جديدا , بحس جديد ; ويمتعه بحياة جديدة , ويهبه متاعا لا نظير له في كل ما يتصوره في الأرض من متاع .
وعلى هذا النحو الرفيع من التأمل والإدراك يريد القرآن الناس . والإيمان هو الذي يمنح القلب البشري هذا الزاد , وهو الذي يهيء له هذا المتاع العلوي . وهو بعد في الأرض في عالم الطين !
وبعد فقد كانت اللفتة الأولى إلى معرض الأرض ; وكانت اللفتة الثانية إلى معرض النفس . ثم تلتهما في السورة لفتة إلى معرض الغيب العلوي المطوي , حيث الرزق المقسوم والحظ المرسوم:
(وفي السماء رزقكم وما توعدون). .
وهي لفتة عجيبة . فمع أن أسباب الرزق الظاهرة قائمة في الأرض , حيث يكد فيها الإنسان ويجهد , وينتظر من ورائها الرزق والنصيب . فإن القرآن يرد بصر الإنسان ونفسه إلى السماء . إلى الغيب . إلى الله . ليتطلع هناك إلى الرزق المقسوم والحظ المرسوم . أما الأرض وما فيها من أسباب الرزق الظاهرة , فهي آيات للموقنين . آيات ترد القلب إلى الله ليتطلع إلى الرزق من فضله ; ويتخلص من أثقال الأرض وأوهاق الحرص , والأسباب الظاهرة للرزق , فلا يدعها تحول بينه وبين التطلع إلى المصدر الأول الذي أنشأ هذه الأسباب .
والقلب المؤمن يدرك هذه اللفتة على حقيقتها ; ويفهمها على وضعها ; ويعرف أن المقصود بها ليس هو إهمال الأرض وأسبابها . فهو مكلف بالخلافة فيها وتعميرها . إنما المقصود هو ألا يعلق نفسه بها , وألا يغفل عن الله في عمارتها . ليعمل في الأرض وهو يتطلع إلى السماء . وليأخذ بالأسباب وهو يستيقن أنها ليست هي التي ترزقه , فرزقه مقدر في السماء , وما وعده الله لا بد أن يكون .
بذلك ينطلق قلبه من إسار الأسباب الظاهرة في الأرض ; بل يرف بأجنحة من هذه الأسباب إلى ملكوت السماوات . حين يرى في الأسباب آيات تدله على خالق الأسباب ويعيش موصولا قلبه بالسماء , وقدماه ثابتتان على الأرض . فهكذا يريد الله لهذا الإنسان . هكذا يريد الله لذلك المخلوق الذي جبله من الطين ونفخ فيه من روحه فإذا هو مفضل على كثير من العالمين .
والإيمان هو الوسيلة لتحقيق ذلك الوضع الذي يكون فيه الإنسان في أفضل حالاته . لأنه يكون حينئذ في الحالة التي أنشأه الله لها . فطرة الله التي فطر الناس عليها . قبل أن يتناولها الفساد والانحراف . .
وبعد هذه اللمسات الثلاث في الأرض والنفس والسماء . يقسم الله سبحانه بذاته العلية على صدق هذا الحديث كله:
فورب السماء والأرض إنه لحق مثلما أنكم تنطقون . .
وكونهم ينطقون , حقيقة بين أيديهم , لا يجادلون فيها ولا يمارون , ولا يرتابون فيها ولا يخرصون . . وكذلك هذا الحديث كله . والله أصدق القائلين .
وقد روى الأصمعي نادرة ذكرها الزمخشري في الكشاف , ونسوقها نحن لطرافتها - في تحفظ من جانب الرواية ! - قال:
[ أقبلت من جامع البصرة , فطلع أعرابي على قعود له . فقال:ممن الرجل ? قلت:من بني أصمع . قال:
من أين أقبلت ? قلت:من موضع يتلى فيه كلام الرحمن . فقال:اتل علي . فتلوت:(والذاريات). . فلما بلغت قوله تعالى:(وفي السماء رزقكم وما توعدون)قال:حسبك ! فقام إلى ناقته فنحرها ووزعها على من أقبل وأدبر ; وعمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وولى ! فلما حججت مع الرشيد طفقت أطوف ; فإذا أنا بمن يهتف بي بصوت دقيق . فالتفت , فإذا أنا بالأعرابي قد نحل واصفر . فسلم علي واستقرأ السورة . فلما بلغت الآية صاح وقال:قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا , ثم قال:وهل غير هذا ? فقرأت: (فورب السماء والأرض إنه لحق). . فصاح قال:يا سبحان الله . من الذي أغضب الجليل حتى حلف ? لم يصدقوه بقوله حتى ألجأوه إلى اليمين ! قالها ثلاثا وخرجت معها نفسه ] . . وهي نادرة تصح أو لا تصح . ولكنها تذكرنا بجلال هذا القسم من الله سبحانه . القسم بذاته . بصفته:رب السماء والأرض . مما يزيد الحقيقة المقسم عليها جلالا . وهي حقيقة بلا قسم ولا يمين .
الدرس الخامس:24 - 37 لقطات من قصة إبراهيم ولوط
ذلك كان القطاع الأول في السورة . أما القطاع الثاني فيشمل تلك الإشارات إلى قصص إبراهيم , ولوط , وموسى , وعاد قوم هود , وثمود قوم صالح , وقوم نوح . . وهو مرتبط بما قبله , ومرتبط كذلك بما بعده في سياق السورة .
(هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين ? إذ دخلوا عليه , فقالوا:سلاما . قال:سلام قوم منكرون . فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين . فقربه إليهم قال:ألا تأكلون ; فأوجس منهم خيفة . قالوا:لا تخف , وبشروه بغلام عليم . فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها , وقالت:عجوز عقيم . قالوا:كذلك قال ربك , إنه هو الحكيم العليم . قال:فما خطبكم أيها المرسلون ? قالوا:إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين , لنرسل عليهم حجارة من طين . مسومة عند ربك للمسرفين . فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين . فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين . وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم). .
إنها آية أو آيات في تاريخ الرسالات . كتلك الآيات التي أشار إليها في الأرض وفي الأنفس . وإنه وعد أو وعود تتحقق من تلك الوعود التي أشار إلى تحققها في القطاع السابق .
ويبدأ الحديث عن إبراهيم بالسؤال:(هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين ?). . تنويها بهذا الحديث , وتهيئة للأذهان . مع وصف ضيف إبراهيم بالمكرمين ; إما لأنهم كذلك عند الله ; وإما إشارة إلى إكرام إبراهيم لهم كما ورد في القصة .
ويبدو كرم إبراهيم وسخاؤه وإرخاصه للمال واضحا . فما يكاد ضيفه يدخلون عليه ويقولون:سلاما . ويرد عليهم السلام , وهو ينكرهم ولا يعرفهم . ما يكاد يتلقى السلام ويرده حتى يذهب إلى أهله - أي زوجه - مسارعا ليهيئ لهم الطعام . ويجيء به طعاما وفيرا يكفي عشرات:(فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين). . وهم كانوا ثلاثة فيما يقال . . تكفيهم كتف من هذا العجل السمين !
(فقربه إليهم . قال:ألا تأكلون ?). . وجاء هذا السؤال بعد أن رأى أيديهم لا تصل إليه , ولا يبدو عليهم أنهم سيأكلون طعامه .
(فأوجس منهم خيفة). . إما لأن الطارئ الذي لا يأكل طعام مضيفه ينبئ عن نية شر وخيانة . وإما لأنه لمح أن فيهم شيئا غريبا ! عندئذ كشفوا له عن حقيقتهم أو طمأنوه وبشروه: (قالوا:لا تخف . وبشروه بغلام عليم). . وهي البشارة بإسحاق من زوجه العقيم .