(فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها . وقالت:عجوز عقيم). . وقد سمعت البشرى , فبغتت وفوجئت , فندت منها صيحة الدهش , وعلى عادة النساء ضربت خديها بكفيها . وقالت:عجوز عقيم . تنبئ عن دهشتها لهذه البشرى وهي عجوز . وقد كانت من الأصل عقيما . وقد أخذتها المفاجأة العنيفة التي لم تكن تتوقعها أبدا , فنسيت أن البشرى تحملها الملائكة ! عندئذ ردها المرسلون إلى الحقيقة الأولى . حقيقة القدرة التي لا يقيدها شيء , والتي تدبر كل أمر بحكمة وعلم:(قالوا:كذلك قال ربك , إنه هو الحكيم العليم). .
وكل شيء يكون إذا قيل له:كن . وقد قال الله . فماذا بعد قوله ? إن الألفة والعادة تقيدان الإدراك البشري , وتحدان من تصوراته . فيدهش إذ يرى ما يخالف المألوف له ; ويعجب كيف يكون ; وقد يتبجح فينكر أن يكون ! والمشيئة المطلقة ماضية في طريقها لا تتقيد بمألوف البشر الصغير المحدود ; تبدع ما تشاء , بغير ما حدود أو قيود !
عند ذلك راح إبراهيم يسأل وقد عرف حقيقة ضيفه عن شأنهم الذي أرسلوا فيه:(قال:فما خطبكم أيها المرسلون ?). .(قالوا:إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين). . هم قوم لوط . كما ورد في سور أخرى .(لنرسل عليهم حجارة من طين , مسومة عند ربك للمسرفين). .
وهذه الحجارة الطينية المعلمة أو المعدة المجهزة عند الله للمسرفين المتجاوزين الحق - وقوم لوط كانوا مسرفين في تجاوزهم للفطرة والحق والدين - لا يمتنع أن تكون حجارة بركان ثائر يقذف بالحمم الطيني من جوف الأرض . فهي (عند ربك)بهذا الإعتبار مسلطة - وفق إرادته ونواميسه - على من يريد من المسرفين . مقدرة بزمانها ومكانها وفق علمه وتدبيره القديم . وأن يتولى إرسالها - في إطار إرادته ونواميسه - ملائكته . وهل ندري نحن حقيقة ملائكته ? وهل ندري حقيقة علاقتهم بهذا الكون ومن فيه وما فيه ? وهل ندري حقيقة القوى الكونية التي نسميها من عندنا أسماء بحسب ظواهرها التي تتكشف لنا بين الحين والحين ? وما لنا نعترض على خبر الله لنا أنه سلط بعض هذه القوى في وقت ما , لترسل بعض هذه القوى في صورة ما , على قوم ما , في أرض ما , ما لنا نعترض على خبر الله لنا , ونحن ما نزال كل ذخيرتنا من المعرفة فروض ونظريات وتأويلات لظواهر تلك القوى . أما حقيقتها فهي عنا بعيدة ?! فلتكن حجارة بركانية أو لتكن حجارة أخرى فهذه كتلك في يد الله , ومن صنعه , وسرها غيب عنده يكشفه حين يشاء !
(فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين). . لإنجائهم وحمايتهم . . فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين :هم بيت النبي لوط . كما ورد في مواضع أخرى . فكانوا هم الناجين إلا امرأته كانت من المهلكين .
(وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم). . فالذين يخافون هم الذين يرون الآية ويدركونها وينتفعون بها . أما الآخرون فمطموسون لا يرون آيات الله . لا في الأرض ولا في أنفسهم ولا في أحداث التاريخ !
الدرس السادس:38 - 40 إشارة إلى قصة موسى
وآية أخرى في قصة موسى , يشير إليها إشارة سريعة في معرض الآيات في تاريخ المرسلين:
(وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين . فتولى بركنه وقال:ساحر أو مجنون . فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم , وهو مليم). .
والسلطان المبين الذي أرسل الله به موسى إلى فرعون , هو الحجة القوية , والبرهان القاطع , وهو الهيبة الجليلة