وهي إشارة سريعة تلمس القصة لمسة واحدة بدون إيضاح . كأنما ليقال:واذكر قوم نوح . وقد وردت(قوم)منصوبة وبدون لفظ [ في ] بتقدير كلمة [ اذكر ] قبلها . وتلتها (والسماء بنيناها . .)معطوفة عليها . . وهذه آية كونية , وتلك آية تاريخية . يربطهما السياق معا , ويربط بهما هذا القطاع بالقطاع الثالث في السورة . . الدرس العاشر:47 خلق الله للسماوات والأرض واستحقاقه العبادة
(والسماء بنيناها بأيد , وإنا لموسعون , والأرض فرشناها فنعم الماهدون , ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون . ففروا إلى الله , إني لكم منه نذير مبين . ولا تجعلوا مع الله إلها آخر , إني لكم منه نذير مبين). .
إنها عودة إلى المعرض الكوني الذي افتتحت به السورة , في صورة من صوره الكثيرة التي يجلوها القرآن للقلوب . واستطراد في الإشارة إلى آيات الله هنا وهناك , يصل آية نوح بآية السماء وآية الأرض وآية الخلائق . ثم يخلص به إلى ذلك الهتاف بالبشر ليفروا إلى الله موحدين متجردين .
(والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون). .
والأيد:القوة . والقوة أوضح ما ينبئ عنه بناء السماء الهائل المتماسك المتناسق . بأي مدلول من مدلولات كلمة السماء . سواء كانت تعني مدارات النجوم والكواكب . أم تعني مجموعة من المجموعات النجمية التي يطلق عليها اسم المجرة وتحوي مئات الملايين من النجوم . أم تعني طبقة من طبقات هذا الفضاء الذي تتناثر فيه النجوم والكواكب . . أم غير هذا من مدلولات كلمة السماء .
والسعة كذلك ظاهرة فهذه النجوم ذات الأحجام الهائلة والتي تعد بالملايين , لا تعدو أن تكون ذرات متناثرة في هذا الفضاء الرحيب .
ولعل في الإشارة إلى السعة إيحاء آخر إلى مخازن الأرزاق التي قال من قبل:إنها في السماء ولو أن السماء هناك مجرد رمز إلى ما عند الله . ولكن التعبير القرآني يلقي ظلالا معينة , يبدو أنها مقصودة في التعبير , لخطاب المشاعر البشرية خطابا موحيا .
ومثلها الإشارة الأخرى إلى الأرض الممهودة المفروشة:
(والأرض فرشناها فنعم الماهدون). .
فقد أعد الله هذه الأرض لتكون مهدا للحياة كما أسلفنا . والفرش يوحي باليسر والراحة و العناية . وقد هيئت الأرض لتكون محضنا ميسرا ممهدا , كل شيء فيه مقدر بدقة لتيسير الحياة وكفالتها: (فنعم الماهدون). .
(ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون). .
وهذه حقيقة عجيبة تكشف عن قاعدة الخلق في هذه الأرض - وربما في هذا الكون . إذ أن التعبير لا يخصص الأرض - قاعدة الزوجية في الخلق . وهي ظاهرة في الأحياء . ولكن كلمة(شيء)تشمل غير الأحياء أيضا . والتعبير يقرر أن الأشياء كالأحياء مخلوقة على أساس الزوجية .
وحين نتذكر أن هذا النص عرفه البشر منذ أربعة عشر قرنا . وأن فكرة عموم الزوجية - حتى في الأحياء - لم تكن معروفة حينذاك . فضلا على عموم الزوجية في كل شيء . . حين نتذكر هذا نجدنا أمام أمر عجيب عظيم . . وهو يطلعنا على الحقائق الكونية في هذه الصورة العجيبة المبكرة كل التبكير !
كما أن هذا النص يجعلنا نرجح أن البحوث العلمية الحديثة سائرة في طريق الوصول إلى الحقيقة . وهي تكاد تقرر أن بناء الكون كله يرجع إلى الذرة . وأن الذرة مؤلفة من زوج من الكهرباء:موجب وسالب ! فقد