تحمل خصائص التذكير والتأنيث معها . بل ربما كانت الزوجية هي قاعدة الكون كله لا قاعدة الحياة وحدها إذا اعتبرنا أن قاعدة الكون هي الذرة المؤلفة من الكترون سالب وبروتون موجب , كما تشير البحوث الطبيعية حتى الآن . وعلى أية حال فالزوجية في الحياة ظاهرة ; والله هو الذي خلق الأزواج كلها من الإنسان وغير الإنسان:
(وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون). . .
يذكر الناس بهذه الإشارة بنعمة الله عليهم في اصطفائهم بخلافة هذه الأرض , وبما سخر لهم فيها من قوى وطاقات . ثم يوجههم إلى الأدب الواجب في شكر هذه النعمة وشكر هذا الاصطفاء ; وتذكر المنعم كلما عرضت النعمة , لتبقى القلوب موصولة بالله عند كل حركة في الحياة:
(لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا:سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين). . فما نحن بقادرين على مقابلة نعمته بنعمة مثلها , وما نملك إلا الشكر نقابل به هذا الإنعام .
ثم ليتذكروا أنهم عائدون بعد الخلافة في الأرض إلى ربهم ليجزيهم عما فعلوا في هذه الخلافة التي زودهم فيها بأنعمه . وسخر لهم فيها ما سخر من القوى والطاقات:
(وإنا إلى ربنا لمنقلبون). .
هذا هو الأدب الواجب في حق المنعم , يوجهنا الله إليه , لنذكره كلما استمتعنا بنعمة من نعمه التي تغمرنا , والتي نتقلب بين أعطافها . . ثم ننساه . . !
والأدب الإسلامي في هذا وثيق الصلة بتربية القلب وإحياء الضمير . فليس هو مجرد طقوس تزاول عند الاستواء على ظهور الفلك والأنعام , ولا مجرد عبارات يتلوها اللسان ! إنما هو استحياء للمشاعر لتحس بحقيقة الله , وحقيقة الصلة بينه وبين عباده ; وتشعر بيده في كل ما يحيط بالناس , وكل ما يستمتعون به مما سخره الله لهم , وهو محض الفضل والإنعام , بلا مقابل منهم , فما هم بقادرين على شيء يقابلون به فضل الله . ثم لتبقى قلوبهم على وجل من لقائه في النهاية لتقديم الحساب . . وكل هذه المشاعر كفيلة باستبقاء القلب البشري في حالة يقظة شاعرة حساسة لا تغفل عن مراقبة الله . ولا تجمد ولا تتبلد بالركود والغفلة والنسيان .
الدرس الثالث:15 - 25 تصحيح نظرة المشركين إلى الملائكة
بعد ذلك يعالج أسطورة الملائكة واتخاذهم آلهة بزعم أنهم بنات الله , وهم عباد الله:
وجعلوا له من عباده جزءاً . إن الإنسان لكفور مبين . أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين ? وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلاً ظل وجهه مسوداً وهو كظيم . أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين ? وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً أشهدوا خلقهم ? ستكتب شهادتهم ويسألون . وقالوا:لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم , إن هم إلا يخرصون . أم آتيناهم كتاباً من قبله فهم به مستمسكون ? بل قالوا:إنا وجدنا آباءنا على أمة , وإنا على آثارهم مهتدون . وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها:إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون . قال:أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم ? قالوا:إنا بما أرسلتم به كافرون . فانتقمنا منهم , فانظر كيف كان عاقبة المكذبين . .
إن هذا القرآن يحاصر هذه الأسطورة ويواجهها في نفوسهم من كل جانب , ولا يبقي ثغرة مفتوحة حتى يأخذها عليهم , ويواجههم في هذا كله بمنطقهم ومسلماتهم وواقع حياتهم , كما يواجههم بمصير الذين وقفوا