وهم حين يحيلون على مشيئة الله إنما يخبطون خبطاً ; فهم لا يوقنون أن الله اراد لهم أن يعبدوا الملائكة - ومن أين يأتيهم اليقين ? - (ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون). . ويتبعون الأوهام والظنون . (أم آتيناهم كتاباً من قبله فهم به مستمسكون ?). .
يستندون إليه في دعواهم , ويستندون إليه في عبادتهم , ويستمسكون بما فيه من حقائق , ويرتكنون إلى ما عندهم فيه من دليل !!
وهكذا يأخذ عليهم الطريق من هذه الناحية ; ويوحي إليهم كذلك أن العقائد لا يخبط فيها خبط عشواء , ولا يرتكن فيها إلى ظن أو وهم . إنما تستسقى من كتاب من عند الله يستمسك به من يؤتاه .
وعند هذا الحد يكشف عن سندهم الوحيد في اعتقاد هذه الأسطورة المتهافتة التي لا تقوم على رؤية , ومزاولة هذه العبادة الباطلة التي لا تستند إلى كتاب:
(بل قالوا:إنا وجدنا آباءنا على أمة , وإنا على آثارهم مهتدون). .
وهي قولة تدعو إلى السخرية , فوق أنها متهافتة لا تستند إلى قوة . إنها مجرد المحاكاة ومحض التقليد , بلا تدبر ولا تفكر ولا حجة ولا دليل . وهي صورة مزرية تشبه صورة القطيع يمضي حيث هو منساق ; ولا يسأل:إلى أين نمضي ? ولا يعرف معالم الطريق !
والإسلام رسالة التحرر الفكري والانطلاق الشعوري لا تقر هذا التقليد المزري , ولا تقر محاكاة الآباء والأجداد اعتزازاً بالإثم والهوى . فلا بد من سند , ولا بد من حجة , ولا بد من تدبر وتفكير , ثم اختيار مبني على الإدراك واليقين .
وفي نهاية هذه الجولة يعرض عليهم مصائر الذين قالوا قولتهم تلك واتبعوا طريقهم في المحاكاة والتقليد , وفي الإعراض والتكذيب , بعد الإصرار على ما هم فيه على الرغم من الإعذار والبيان !
وكذلك ما ارسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها:إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون . قال:أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم ? قالوا إنا بما ارسلتم به كافرون . فانتقمنا منهم:فانظر كيف كان عاقبة المكذبين . .
وهكذا يتجلى أن طبيعة المعرضين عن الهدى واحدة , وحجتهم كذلك مكرورة: (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون)أو(مقتدون). . ثم تغلق قلوبهم على هذه المحاكاة , وتطمس عقولهم دون التدبر لأي جديد . ولو كان أهدى . ولو كان أجدى . ولو كان يصدع بالدليل . وثم لا يكون إلا التدمير والتنكيل لهذه الجبلة التي لا تريد أن تفتح عينيها لترى , أو تفتح قلبها لتحس , أو تفتح عقلها لتستبين . .
وهذا هو مصير ذلك الصنف من الناس يعرضه عليهم لعلهم يتبينون عاقبة الطريق الذي يسلكون .
الوحدة الثانية:26 - 56 الموضوع:مشاهد من قصة إبراهيم وموسى وعيسى