وقاده في طريق الهلاك , وهو يلوح له بالسلامة ! ينظر إليه في حنق يقول: (يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين)! يا ليته لم يكن بيننا لقاء . على هذا البعد السحيق ! ويعقب القرآن على حكاية قول القرين الهالك للقرين بقوله: (فبئس القرين)!
ونسمع كلمة التيئيس الساحقة لهذا وذاك عند إسدال الستار على الجميع:
(ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون)!
فالعذاب كامل لا تخففه الشركة , ولا يتقاسمه الشركاء فيهون !
الدرس الثالث:40 - 43 تسلية ومواساة الرسول على إعراض الكفار ومصيرهم البائس
عندئذ ينصرف عن هؤلاء , في مشهدهم البائس الكئيب ; ويدعهم يتلاومون ويتشاتمون . ويتجه بالخطاب إلى رسول الله [ ص ] يسليه عن هذا المصير البائس الذي انتهى إليه فريق من البشر ; ويعزيه عن إعراضهم عنه وكفرهم بما جاء به ; ويثبته على الحق الذي أوحى إليه ; وهو الحق الثابت المطرد من قديم , في رسالة كل رسول:
(أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين ? فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون . أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون . فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم . وإنه لذكر لك ولقومك , وسوف تسألون . واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا:أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون ?). .
وهذا المعنى يتكرر في القرآن تسلية لرسول الله [ ص ] وبياناً لطبيعة الهدى والضلال , ورجعهما إلى مشيئة الله وتقديره وحده ; وإخراجهما من نطاق وظيفة الرسل - عليهم الصلاة والسلام - ووضع حدود فاصلة بين مجال القدرة الإنسانية المحدودة في أعلى درجاتها عند مرتقى النبوة , ومجال القدرة الإلهية الطليقة ; وتثبيت معنى التوحيد في صورة من أدق صوره , وفي موضع من ألطف مواضعه:
(أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين). .
وهم ليسوا صماً ولا عمياً , ولكنهم كالصم والعمي في الضلال , وعدم الانتفاع بالدعاء إلى الهدى , والإشارة إلى دلائله . ووظيفة الرسول أن يُسمع من يَسمع , وأن يهدي من يبصر . فإذا هم عطلوا جوارحهم , وطمسوا منافذ قلوبهم وأرواحهم فما للرسول إلى هداهم من سبيل ; ولا عليه من ضلالهم , فقد قام بواجبه الذي يطيق .
والله يتولى الأمر بعد أداء الرسول لواجبه المحدود:
(فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون . أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون). .
والأمر لا يخرج عن هذين الحالين . فإذا ذهب الله بنبيه فسيتولى هو الانتقام من مكذبيه . وإذا قدر له الحياة حتى يتحقق ما أنذرهم به , فالله قادر على تحقيق النذير , وهم ليسوا له بمعجزين . ومرد الأمر إلى مشيئة الله وقدرته في الحالين , وهو صاحب الدعوة . وما الرسول إلا رسول .
(فاستمسك بالذي أوحي إليك . إنك على صراط مستقيم). .
واثبت على ما أنت فيه , وسر في طريقك لا تحفل ما كان منهم وما يكون . سر في طريقك مطمئن القلب . (إنك على صراط مستقيم). . لا يلتوي بك ولا ينحرف ولا يحيد .
وهذه العقيدة متصلة بحقيقة الكون الكبرى , متناسقة مع الناموس الكلي الذي يقوم عليه هذا الوجود . فهي