ومدى استحقاقهم هم للإهمال والإعراض ; ومن ثم يعرّض بهم وبإسرافهم , ويهددهم بالترك والإهمال جزاء هذا الإسراف:(أفنضرب عنكم الذكر صفحاً أن كنتم قوماً مسرفين ?). .
ولقد كان عجيباً - وما يزال - أن يعنى الله سبحانه - في عظمته وفي علوه وفي غناه - بهذا الفريق من البشر , فينزل لهم كتاباً بلسانهم , يحدثهم بما في نفوسهم , ويكشف لهم عن دخائل حياتهم , ويبين لهم طريق الهدى , ويقص عليهم قصص الأولين , ويذكرهم بسنة الله في الغابرين . . ثم هم بعد ذلك يهملون ويعرضون !
وإنه لتهديد مخيف أن يلوح لهم بعد ذلك بالإهمال من حسابه ورعايته , جزاء إسرافهم القبيح !
وإلى جانب هذا التهديد يذكرهم بسنة الله في المكذبين , بعد إرسال النبيين:
وكم أرسلنا من نبي في الأولين , وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزئون . فأهلكنا أشد منهم بطشاً , ومضى مثل الأولين . .
فماذا ينتظرون هم وقد أهلك الله من هم أشد منهم بطشاً , حينما وقفوا يستهزئون بالرسل كما يستهزئون ?
الدرس الثاني:9 - 14 إعترافهم بالله وتذكيرهم ببعض نعم الله عليهم
والعجيب - كان - في أمر القوم أنهم كانوا يعترفون بوجود الله , وخلقه للسماوات والأرض . ثم لا يرتبون على هذا الاعتراف نتائجه الطبيعية من توحيد الله , وإخلاص التوجه إليه فكانوا يجعلون له شركاء , يخصونهم ببعض ما خلق من الأنعام ; كما كانوا يزعمون أن الملائكة بناته , ويعبدونهم من دونه في صورة أصنام !
والقرآن يعرض اعترافهم , ويرتب عليه نتائجه , ويوجههم إلى منطق الفطرة الذي يجانبونه , وإلى السلوك الواجب تجاه نعمته عليهم فيما خلق لهم من الفلك والأنعام . ثم يناقشهم بمنطقهم في دعواهم عن الملائكة:
(ولئن سألتهم:من خلق السماوات والأرض ? ليقولن:خلقهن العزيز العليم . الذي جعل لكم الأرض مهداً , وجعل لكم فيها سبلاً لعلكم تهتدون . والذي نزل من السماء ماء بقدر , فأنشرنا به بلدة ميتا , كذلك تخرجون . والذي خلق الأزواج كلها , وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون . لتستووا على ظهوره , ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه , وتقولوا:سبحان الذي سخر لنا هذا , وما كنا له مقرنين ; وإنا إلى ربنا لمنقلبون). .
لقد كانت للعرب عقيدة - نظن أنها بقايا من الحنيفية الأولى ملة إبراهيم عليه السلام , ولكنها بهتت وانحرفت ودخلت فيها الأساطير - وقد بقي منها ما لا تملك الفطرة إنكاره من وجود خالق لهذا الكون , وأنه هو الله , فما يمكن - في منطق الفطرة وبداهتها - أن يكون هذا الكون قد نشأ هكذا من غير خالق ; وما يمكن أن يخلق هذا الكون إلا الله . ولكنهم كانوا يقفون بهذه الحقيقة التي تنطق بها بداهة الفطرة عند شكلها الظاهر , ولا يعترفون بما وراءها من مقتضيات طبيعية لها:
(ولئن سألتهم:من خلق السماوات والأرض ? ليقولن:خلقهن العزيز العليم . . .). .
وواضح أن هاتين الصفتين: (العزيز العليم)ليستا من قولهم . فهم كانوا يعترفون بأن الذي خلقهن هو(الله). . ولكنهم لم يكونوا يعرفون الله بصفاته التي جاء بها الإسلام . هذه الصفات الإيجابية التي تجعل لذات الله في نفوسهم أثراً فعالاً في حياتهم وحياة هذا الكون . كانوا يعرفون الله خالقا لهذا الكون , وخالقاً لهم كذلك . ولكنهم كانوا يتخذون من دونه شركاء . لأنهم لم يعرفوه بصفاته التي تنفي فكرة الشرك , وتجعلها تبدو متهافتة سخيفة . .