في طريق شهواتهم , وهم أضعف من أن يغالبوا أهواءهم وشهواتهم ; ولكنهم أجرأ على الحق وعلى دعاته ! فمن ضعفهم تجاه الأهواء والشهوات يستمدون القوة على الحق والاجتراء على الدعاة ! لهذا يهددهم صاحب القوة والجبروت , العليم بما يسرون وما يمكرون:
أم أبرموا أمراً ? فإنا مبرمون . أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم و نجواهم ? بلى ورسلنا لديهم يكتبون . .
فإصرارهم على الباطل في وجه الحق يقابله أمر الله الجازم وإرادته بتمكين هذا الحق وتثبيته . وتدبيرهم ومكرهم في الظلام يقابله علم الله بالسر والنجوى . والعاقبة معروفة حين يقف الخلق الضعاف القاصرون , أمام الخالق العزيز العليم .
الدرس الرابع:81 - 83 لا شريك مع الله وتهديد الكفار
ويتركهم بعد هذا التهديد المرهوب , ويوجه رسوله الكريم , إلى قول يقوله لهم . ثم يدعهم من بعده لمصيرهم الذي شهدوا صورته منذ قليل:
(قل:إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين . سبحان رب السماوات والأرض . رب العرش عما يصفون . فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون). .
لقد كانوا يعبدون الملائكة بزعم أنهم بنات الله . ولو كان لله ولد لكان أحق أحد بعبادته , وبمعرفة ذلك , نبي الله ورسوله , فهو منه قريب , وهو أسرع إلى طاعة الله وعبادته , وتوقير ولده إن كان له ولد كما يزعمون ! ولكنه لا يعبد إلا الله . فهذا في ذاته دليل على أن ما يزعمونه من بنوة أحد لله لا أصل له , ولا سند ولا دليل ! تنزه الله وتعالى عن ذلك الزعم الغريب !
(سبحان رب السماوات والأرض . رب العرش . عما يصفون). .
وحين يتأمل الإنسان هذه السماوات والأرض , ونظامها , وتناسقها , ومدى ما يكمن وراء هذا النظام من عظمة وعلو . ومن سيطرة واستعلاء . يشير إلى هذا كله قوله: (رب العرش). . يصغر في نفسه كل وهم وكل زعم من ذلك القبيل . ويدرك بفطرته أن صانع هذا كله لا يستقيم في الفطرة أن يكون له شبه - اي شبه - بالخلق . الذين يلدون وينسلون ! ومن ثم يبدو مثل ذلك القول لهواً ولعباً وخوضاً وتقحماً لا يستحق شيء منه المناقشة والجدل ; إنما يستحق الإهمال أو التحذير:
(فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون). .
والذي شهدوا صورة منه يوم يكون !
الدرس الخامس:84 ألوهية الله وملكيته للسماوات والأرض
ثم يمضي - بعد الإعراض عنهم وإهمالهم - في تمجيد الخالق وتوحيده بما يليق بربوبيته للسماوات والأرض والعرش العظيم:
(وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله , وهو الحكيم العليم . وتبارك الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما , وعنده علم الساعة , وإليه ترجعون . ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون). .
وهو تقرير الألوهية الواحدة في السماء وفي الأرض , والتفرد بهذه الصفة لا يشاركه فيها مشارك . مع الحكمة فيما يفعل . والعلم المطلق بهذا الملك العريض .