فصاحب بني إسرائيل في رحلتهم طويلا . ولم يجاوز هنا مشهد الغرق والنجاة . وكذلك لا نجد تكرارا في عرض القصة أبدا على كثرة ما عرضت في سور القرآن . لأن هذا التنويع في اختيار الحلقات التي تعرض , ومشاهد كل حلقة , والجانب الذي يختار من كل مشهد , وطريقة عرضه . . كل أولئك يجعلها جديدة في كل موضع . متناسقة مع هذا الموضع .
الدرس الأول:10 - 17 تكليف موسى بالذهاب إلى فرعون
(وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين . قوم فرعون . ألا يتقون ? قال:رب إني أخاف أن يكذبون . ويضيق صدري ولا ينطلق لساني , فأرسل إلى هارون . ولهم علي , ذنب فأخاف أن يقتلون . قال:كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون . فأتيا فرعون فقولا:إنا رسول رب العالمين . أن أرسل معنا بني إسرائيل). .
الخطاب لرسول الله [ ص ] بهذا القصص , بعدما قال له في مطلع السورة: لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين . إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين , وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين . فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزؤون . . ثم أخذ يقص عليه أنباء المكذبين المعرضين المستهزئين , وما حاق بهم من العذاب الأليم .
(وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين . قوم فرعون . ألا يتقون ?). .
وهذا هو المشهد الأول:مشهد التكليف بالرسالة لموسى - عليه السلام - وهو يبدأ بإعلان صفة القوم: (القوم الظالمين)فقد ظلموا أنفسهم بالكفر والضلال , وظلموا بني إسرائيل بما كانوا يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم ويعذبونهم بالسخرة والنكال . . لذلك يقدم صفتهم ثم يعينهم "قوم فرعون" ثم يعجب موسى من أمرهم ويعجب كل إنسان: ألا يتقون ? ألا يخشون ربهم ? ألا يخافون مغبة ظلمهم ? ألا يرجعون عن غيهم ? ألا إن أمرهم لعجيب يستحق التعجيب ! وكذلك كل من كان على شاكلتهم من الظالمين !
ولم يكن أمر فرعون وملئه جديدا على موسى - عليه السلام - فهو يعرفه , ويعرف ظلم فرعون وعتوه وجبروته , ويدرك أنها مهمة ضخمة وتكليف عظيم . ومن ثم يشكو إلى ربه ما به من ضعف وقصور لا ليتنصل أو يعتذر عن التكليف , ولكن ليطلب العون والمساعدة في هذا التكليف العسير .
(قال:رب إني أخاف أن يكذبون . ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون . ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون).
والظاهر من حكاية قوله - عليه السلام - أن خوفه ليس من مجرد التكذيب , ولكن من حصوله في وقت يضيق فيه صدره ولا ينطلق لسانه فلا يملك أن يبين , وأن يناقش هذا التكذيب ويفنده . إذ كانت بلسانه حبسة هي التي قال عنها في سورة طه:(واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي)ومن شأن هذه الحبسة أن تنشى ء حالة من ضيق الصدر , تنشأ من عدم القدرة على تصريف الانفعال بالكلام . وتزداد كلما زاد الانفعال , فيزداد الصدر ضيقا . . وهكذا . . . وهي حالة معروفة . فمن هنا خشي موسى أن تقع له هذه الحالة وهو في موقف المواجهة بالرسالة لظالم جبار كفرعون . فشكا إلى ربه ضعفه وما يخشاه على تبليغ رسالته , وطلب إليه أن يوحي إلى هارون أخيه , ويشركه معه في الرسالة اتقاء للتقصير في أداء التكليف , لا نكوصا ولا اعتذارا عن التكليف . فهارون أفصح لسانا ومن ثم هو أهدأ انفعالا ; فإذا أدركت موسى حبسة أو ضيق نهض هارون بالجدل والمحاجة والبيان . ولقد دعا موسى ربه - كما ورد في سورة طه - ليحل هذه العقدة من لسانه , ولكنه زيادة في الاحتياط للنهوض بالتكليف طلب معه أخاه هارون وزيرا ومعينا . .