|
في ظلال القرآن
الكريم
الشورى من الاية 1 الى الاية 3 حم (1) عسق (2) كَذَلöكَ يُوحöي إöلَيْكَ وَإöلَى الَّذöينَ مöن قَبْلöكَ اللَّهُ الْعَزöيزُ الْحَكöيمُ (3)
تعريف سورة الشورى هذه السورة تعالج قضية العقيدة كسائر السور المكية ; ولكنها تركز بصفة خاصة على حقيقة الوحي والرسالة , حتى ليصح أن يقال:إنها هي المحور الرئيسي الذي ترتبط به السورة كلها ; وتأتي سائر الموضوعات فيها تبعاً لتلك الحقيقة الرئيسية فيها هذا مع أن السورة تتوسع في الحديث عن حقيقة الوحدانية , وتعرضها من جوانب متعددة ; كما أنها تتحدث عن حقيقة القيامة والإيمان بها ; ويأتي ذكر الآخرة ومشاهدها في مواضع متعددة منها . وكذلك تتناول عرض صفات المؤمنين وأخلاقهم التي يمتازون بها . كما تلم بقضية الرزق:بسطه وقبضه ; وصفة الإنسان في السراء والضراء . ولكن حقيقة الوحي والرسالة , وما يتصل بها , تظل - مع ذلك - هي الحقيقة البارزة في محيط السورة , والتي تطبعها وتظللها . وكأن سائر الموضوعات الأخرى مسوقة لتقوية تلك الحقيقة الأولى وتوكيدها . ويسير سياق السورة في عرض تلك الحقيقة , وما يصاحبها من موضوعات أخرى بطريقة تدعو إلى مزيد من التدبر والملاحظة . فهي تعرض من جوانب متعددة . يفترق بعضها عن بعض ببضع آيات تتحدث عن وحدانية الخالق . أو وحدانية الرازق . أو وحدانية المتصرف في القلوب . أو وحدانية المتصرف في المصير . . ذلك بينما يتجه الحديث عن حقيقة الوحي والرسالة إلى تقرير وحدانية الموحي - سبحانه - ووحدة الوحي . ووحدة العقيدة . ووحدة المنهج والطريق . وأخيراً وحدة القيادة البشرية في ظل العقيدة . ومن ثم يرتسم في النفس خط الوحدانية بارزاً واضحاً , بشتى معانيه وشتى ظلاله وشتى إيحاءاته , من وراء موضوعات السورة جميعاً . . ونضرب بعض الأمثلة من السورة إجمالاً , قبل أن نأخذ في التفصيل: تبدأ بالأحرف المقطعة: حا . ميم . عين . سين . قاف . . يليها:(كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم). . مقرراً وحدة مصدر الوحي في الأولين والآخرين: (إليك وإلى الذين من قبلك). . ثم يستطرد السياق في صفة الله العزيز الحكيم:(له ما في السماوات وما في الأرض وهو العلي العظيم). . مقرراً وحدانية المالك لما في السماوات والأرض واستعلاءه وعظمته على وجه الانفراد . ثم يستطرد استطراداً آخر في وصف حال الكون تجاه قضية الإيمان بالمالك الواحد , وتجاه الشرك الذي يشذ به بعض الناس:(تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن , والملائكة يسبحون بحمد ربهم , ويستغفرون لمن في الأرض , ألا إن الله هو الغفور الرحيم , والذين اتخذوا من دونه أولياء , الله حفيظ عليهم , وما أنت عليهم بوكيل). . فإذا الكون كله مشغول بقضية الإيمان والشرك حتى إن السماوات ليكدن يتفطرن من شذوذ بعض أهل الأرض , بينما الملائكة يستغفرون لمن في الأرض جميعاً من هذه الفعلة الشنعاء التي جاء بها بعض المنحرفين ! وبعد هذه الجولة يعود السياق إلى الحقيقة الأولى:(وكذلك أوحينا إليك , قرآناً عربياً لتنذر أم القرى ومن حولها , وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه , فريق في الجنة وفريق في السعير). . ثم يستطرد مع (فريق في الجنة وفريق في السعير). . فيقرر أن لو شاء الله لجعلهم أمة واحدة . ولكن مشيئته اقتضت - بما له من علم وحكمة - أن يدخل من يشاء في رحمته (والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير). . ويقرر أن الله وحده هو الولي (وهو يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير). . ومن ثم يعود إلى الحقيقة الأولى , حقيقة الوحي والرسالة , فيقرر أن الحكم فيما يختلف فيه البشر من شيء هو الله الذي أنزل هذا القرآن ليرجع إليه الناس في كل اختلاف:(وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله . ذلكم الله ربي عليه توكلت , وإليه أنيب). . ويستطرد مع الربوبية إلى وحدانية الخالق , وتفرد ذاته . ووحدانية المتصرف في مقادير السماوات والأرض , وفي بسط الرزق وقبضه . وفي علمه بكل شيء: (فاطر السماوات والأرض , جعل لكم من أنفسكم أزواجاً , ومن الأنعام أزواجاً , يذرؤكم فيه , ليس كمثله شيء , وهو السميع البصير . له مقاليد السماوات والأرض , يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر , إنه بكل شيء عليم). . ثم يعود إلى الحقيقة الأولى: شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً , والذي أوحينا إليك , وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى:أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه . كبر على المشركين ما تدعوهم إليه . الله يجتبي إليه من يشاء , ويهدي إليه من ينيب . وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم , ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم , وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب . فلذلك فادع واستقم كما أمرت , ولا تتبع أهواءهم وقل:آمنت بما أنزل الله من كتاب . . . الخ. . وعلى مثل هذا النسق تمضي السورة في عرض هذه الحقيقة ; محوطة بمثل هذا الجو , وهذه الاستطرادات المتعلقة بقضايا العقيدة الأخرى , المثبتة في الوقت ذاته للحقيقة الأولى التي تبدو كأنها موضوع السورة الرئيسي . وهذا النسق واضح وضوحا كاملاً في هذا الدرس الأول من السورة . فالقارىء يلتقي بعد كل بضع آيات بحقيقة الوحي والرسالة في جانب من جوانبها . فأما الدرس الثاني ويؤلف بقية السورة , فيبدأ باستعراض بعض آيات الله في بسط الرزق وقبضه وفي تنزيل الغيث برحمته(وفي خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة وفي الفلك الجواري في البحر كالأعلام . ويستطرد من هذه الآيات إلى صفة المؤمنين التي تفردهم وتميز جماعتهم . فإلى مشهد من مشاهد القيامة يعرض صورة الظالمين لما رأوا العذاب: (يقولون هل إلى مرد من سبيل , وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي). . واستعلاء المؤمنين يومئذ ووقوفهم موقف المقرر لحال الظالمين: (وقال الذين آمنوا:إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة . ألا إن الظالمين في عذاب مقيم). . وفي ظل هذا المشهد يدعو الناس إلى إنقاذ انفسهم من مثل هذا الموقف قبل فوات الأوان:(استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله , ما لكم من ملجأ يومئذ , وما لكم من نكير). . ومن ثم يعود إلى الحقيقة الأولى في السورة . حقيقة الوحي والرسالة . في جانب من جوانبها: (فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً إن عليك إلا البلاغ . . .). ويمضي سياق السورة حتى ختامها يدور حول هذا المحور مباشرة أو غير مباشرة , مع طابع الاستطراد بين كل إشارة وإشارة إلى تلك الحقيقة , حتى يكون ختام السورة هذا البيان في شأن الوحي والرسالة: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب , أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء , إنه عليّ حكيم . وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا , ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ; ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا , وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم . صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور). . وبعد فمن وراء التركيز على حقيقة الوحي والرسالة في سياق السورة كله يبرز هدف خاص لعرضها على هذا النحو وفي هذا التتابع . هذا الهدف هو تعيين القيادة الجديدة للمبشرين ممثلة في الرسالة الأخيرة , ورسولها , والأمة المسلمة التي تتبع نهجه الإلهي الثابت القويم . وتبدأ أول إشارة مع مطلع السورة(كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم). . لتقرر أن الله هو الموحي بجميع الرسالات لجميع الرسل , وأن الرسالة الأخيرة هي امتداد لأمر مقرر مطرد من قديم . وتأتي الإشارة الثانية بعد قليل: (وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً لتنذر أم القرى ومن حولها). . لتقرر مركز القيادة الجديدة التي سترد الإشارة إليها فيما بعد . وفي الإشارة الثالثة يقرر وحدة الرسالة بعد ما قرر في الإشارة الأولى وحدة المصدر: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه). . وتستطرد هذه الإشارة إلى تقرير أن التفرق قد وقع , مخالفاً لهذه التوصية , ولم يقع عن جهل من أتباع أولئك الرسل الكرام ولكن عن علم . وقع بغيا وظلما وحسدا: (وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم). . ثم تستطرد كذلك إلى بيان حال الذين جاءوا من بعد أولئك الذين اختلفوا: (وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب). . وعند هذا الحد يتبين أن البشرية قد آلت إلى فوضى وارتياب , ولم تعد لها قيادة راشدة تقوم على نهج ثابت قويم . . فرسالة السماء التي تقود البشرية قد آلت إلى اختلاف بين أتباعها . والذين جاءوا من بعدهم تلقوها في ريبة وفي شك لا تستقيم معهما قيادة راشدة . ومن ثم يعلن انتداب الرسالة الأخيرة وحاملها [ ص ] لهذه القيادة: فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم . وقل:آمنت بما أنزل الله من كتاب , وأمرت لأعدل بينكم . الله ربنا وربكم . . . الخ. . ومن ثم تجيء صفة الجماعة المؤمنة المميزة لها طبيعية في سياق هذه السورة - في الدرس الثاني - بوصفها الجماعة التي ستقوم على قيادة هذه البشرية على ذلك النهج الثابت القويم . وعلى ضوء هذه الحقيقة يصبح سياق السورة وموضوعها الرئيسي والموضوعات الأخرى فيه واضحة القصد والاتجاه . وتتبع هذا السياق بالتفصيل يزيد هذا الأمر وضوحا . . الدرس الأول:1 - 6 إنزال القرآن واستغفار الملائكة للمؤمنين (حم . عسق . كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم . له ما في السماوات وما في الأرض , وهو العلي العظيم . تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن , والملائكة يسبحون بحمد ربهم , ويستغفرون لمن في الأرض . ألا إن الله هو الغفور الرحيم . والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم , وما أنت عليهم بوكيل). . سبق الحديث عن الأحرف المقطعة في أوائل السور بما فيه الكفاية . وهي تذكر هنا في مطلع السورة , ويليها قوله تعالى: (كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم). . أي مثل ذلك , وعلى هذا النسق , وبهذه الطريقة يكون الوحي إليك وإلى الذين من قبلك . فهو كلمات وألفاظ وعبارات مصوغة من الأحرف التي يعرفها الناس ويفهمونها ويدركون معانيها ; ولكنهم لا يملكون أن يصوغوا مثلها مما بين أيديهم من أحرف يعرفونها . ومن الناحية الأخرى تتقرر وحدة الوحي . وحدة مصدره فالموحي هو الله العزيز الحكيم . والموحى إليهم هم الرسل على مدار الزمان . والوحي واحد في جوهره على اختلاف الرسل واختلاف الزمان: (إليك وإلى الذين من قبلك). . التالي
|