لمن يشاء ويقدر). . فهو رازقهم وكافلهم ومطعمهم وساقيهم . فلمن غيره يتجهون إذن ليحكم بينهم فيما يختلفون فيه ? وإنما يتجه الناس إلى الرازق الكافل المتصرف في الأرزاق . الذي يدبر هذا كله بعلم وتقدير: (إنه بكل شيء عليم). . والذي يعلم كل شيء هو الذي يحكم وحكمه العدل , وحكمه الفصل . . وهكذا تتساوق المعاني وتتناسق بهذه الدقة الخفية اللطيفة العجيبة ; لتوقع على القلب البشري دقة بعد دقة , حتى يتكامل فيها لحن متناسق عميق .
الدرس الرابع:13 - 16 وحدة الرسالات والدعوة والإستقامة ومواجهة الكفار
ثم يعود إلى الحقيقة الأولى:
شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً , والذي أوحينا إليك , وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى:أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه . كبر على المشركين ما تدعوهم إليه . الله يجتبي إليه من يشاء , ويهدي إليه من ينيب . وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم - بغياً بينهم - ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم , وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب . فلذلك فادع واستقم كما أمرت , ولا تتبع أهواءهم , وقل:آمنت بما أنزل الله من كتاب ; وأمرت لأعدل بينكم , الله ربنا وربكم , لنا أعمالنا ولكم أعمالكم , لا حجة بيننا وبينكم , الله يجمع بيننا وإليه المصير . والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم , وعليهم غضب ولهم عذاب شديد . .
لقد جاء في مطلع السورة:(كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم). . فكانت هذه إشارة إجمالية إلى وحدة المصدر , ووحدة المنهج , ووحدة الاتجاه . فالآن يفصل هذه الإشارة ; ويقرر أن ما شرعه الله للمسلمين هو - في عمومه - ما وصى به نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى . وهو أن يقيموا دين الله الواحد , ولا يتفرقوا فيه . ويرتب عليها نتائجها من وجوب الثبات على المنهج الإلهي القديم , دون التفات إلى أهواء المختلفين . ومن هيمنة هذا الدين الواضح المستقيم , ودحض حجة الذين يحاجون في الله , وإنذارهم بالغضب والعذاب الشديد .
ويبدو من التماسك والتناسق في هذه الفقرة كالذي بدا في سابقتها بشكل ملحوظ:
(شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا , والذي أوحينا إليك , وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى:أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه). .
وبذلك يقرر الحقيقة التي فصلناها في مطلع السورة . حقيقة الأصل الواحد , والنشأة الضاربة في أصول الزمان ويضيف إليها لمحة لطيفة الوقع في حس المؤمن . وهو ينظر إلى سلفه في الطريق الممتدة من بعيد . فإذا هم على التتابع هؤلاء الكرام . . نوح . إبراهيم . موسى عيسى , محمد - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - ويستشعر أنه امتداد لهؤلاء الكرام وأنه على دربهم يسير . إنه سيستروح السير في الطريق , مهما يجد فيه من شوك ونصب , وحرمان من أعراض كثيرة . وهو برفقة هذا الموكب الكريم على الله . الكريم على الكون كله منذ فجر التاريخ .
ثم إنه السلام العميق بين المؤمنين بدين الله الواحد , السائرين على شرعه الثابت ; وانتفاء الخلاف والشقاق ; والشعور بالقربى الوثيقة , التي تدعو إلى التعاون والتفاهم , ووصل الحاضر بالماضي , والماضي بالحاضر , والسير جملة في الطريق .