وإذا كان الذي شرعه الله من الدين للمسلمين المؤمنين بمحمد هو ما وصى به نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى . ففيم يتقاتل أتباع موسى وأتباع عيسى ? وفيم يتقاتل أصحاب المذاهب المختلفة من أتباع عيسى ; وفيم يتقاتل أتباع موسى وعيسى مع أتباع محمد ? وفيم يتقاتل من يزعمون أنهم على ملة إبراهيم من المشركين مع المسلمين ? ولم لا يتضام الجميع ليقفوا تحت الراية الواحدة التي يحملها رسولهم الأخير ? والوصية الواحدة الصادرة للجميع: (أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه)? فيقيموا الدين , ويقوموا بتكاليفه , ولا ينحرفوا عنه ولا يلتووا به ; ويقفوا تحت رايته صفا , وهي راية واحدة , رفعها على التوالي نوح وإبراهيم وموسى وعيسى - صلوات الله عليهم - حتى انتهت إلى محمد [ ص ] في العهد الأخير .
ولكن المشركين في أم القرى ومن حولها - وهم يزعمون أنهم على ملة إبراهيم - كانوا يقفون من الدعوة القديمة الجديدة موقفاً آخر:
(كبر على المشركين ما تدعوهم إليه). .
كبر عليهم أن يتنزل الوحي على محمد من بينهم ; وكانوا يريدون أن يتنزل (على رجل من القريتين عظيم)أي صاحب سلطان من كبرائهم . ولم تكن صفات محمد الذاتية وهو بإقرارهم الصادق الأمين , ولا كان نسبه وهو من أوسط بيت في قريش . ما كان هذا كله يعدل في نظرهم أن يكون سيد قبيلة ذا سلطان !
وكبر عليهم أن ينتهي سلطانهم الديني بانتهاء عهد الوثنية والأصنام والأساطير التي يقوم عليها هذا السلطان ; وتعتمد عليها مصالحهم الاقتصادية والشخصية . فتشبثوا بالشرك وكبر عليهم التوحيد الخالص الواضح الذي دعاهم إليه الرسول الكريم .
وكبر عليهم أن يقال:إن آباءهم الذين ماتوا على الشرك ماتوا على ضلالة وعلى جاهلية ; فتشبثوا بالحماقة , وأخذتهم العزة بالإثم , واختاروا أن يلقوا بأنفسهم إلى الجحيم , على أن يوصم آباؤهم بأنهم ماتوا ضالين .
والقرآن يعقب على موقفهم هذا بأن الله هو الذي يصطفي ويختار من يشاء ; وأنه كذلك يهدي إليه من يرغب في كنفه , ويتوب إلى ظله من الشاردين:
(الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب). .
وقد اجتبى محمداً [ ص ] للرسالة . وهو يفتح الطريق لمن ينيب إليه ويثوب .
ثم يعود إلى موقف أتباع الرسل , الذين جاءوا قومهم بدين واحد , فتفرق أتباعهم شيعاً وأحزابا:
(وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم - بغيا بينهم - ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم , وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب). .
فهم لم يتفرقوا عن جهل ; ولم يتفرقوا لأنهم لا يعرفون الأصل الواحد الذي يربطهم , ويربط رسلهم ومعتقداتهم . إنما تفرقوا بعد ما جاءهم العلم . تفرقوا بغيا بينهم وحسدا وظلما للحقيقة ولأنفسهم سواء . تفرقوا تحت تأثير الأهواء الجائرة , والشهوات الباغية . تفرقوا غير مستندين إلى سبب من العقيدة الصحيحة والمنهج القويم . ولو أخلصوا لعقيدتهم , واتبعوا منهجهم ما تفرقوا .
ولقد كانوا يستحقون أن يأخذهم الله أخذاً عاجلا , جزاء بغيهم وظلمهم في هذا التفرق والتفريق . ولكن كلمة سبقت من الله لحكمة أرادها , بإمهالهم إلى أجل مسمى (و لولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم). . فحق الحق وبطل الباطل وانتهى الأمر في هذه الحياة الدنيا . ولكنهم مؤجلون إلى يوم الوقت المعلوم .