فأما الأجيال التي ورثت الكتاب من بعد أولئك الذين تفرقوا وفرقوا من أتباع كل نبي , فقد تلقوا عقيدتهم وكتابهم بغير يقين جازم ; إذ كانت الخلافات السابقة مثارا لعدم الجزم بشيء , وللشك والغموض والحيرة بين شتى المذاهب والاختلافات:
(وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب). .
وما هكذا تكون العقيدة . فالعقيدة هي الصخرة الصلبة التي يقف عليها المؤمن , فتميد الأرض من حوله وهو ثابت راسخ القدمين فوق الصخرة الصلبة التي لا تميد . والعقيدة هي النجم الهادي الثابت على الأفق يتجه إليه المؤمن وسط الأنواء والزوابع , فلا يضل ولا يحيد . فأما حين تصبح العقيدة ذاتها موضع شك ومثار ريبة , فلا ثبات لشيء ولا لأمر في نفس صاحبها , ولا قرار له على وجهة , ولا اطمئنان إلى طريق .
ولقد جاءت العقيدة ليعرف أصحابها طريقهم ووجهتهم إلى الله ; ويقودوا من وراءهم من البشر في غير ما تلجلج ولا تردد ولا ضلال . فإذا هم استرابوا وشكوا فهم غير صالحين لقيادة أحد , وهم أنفسهم حائرون .
وكذلك كان حال أتباع الرسل يوم جاء هذا الدين الجديد .
يقول الأستاذ الهندي أبو الحسن الندوي في كتابه:"ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين":
"أصبحت الديانات العظمى فريسة العابثين والمتلاعبين , ولعبة المحرفين والمنافقين , حتى فقدت روحها وشكلها , فلو بعث أصحابها الأولون لم يعرفوها , وأصبحت مهود الحضارة والثقافة والحكم والسياسة مسرح الفوضى والانحلال والاختلال وسوء النظام , وعسف الحكام , وشغلت بنفسها , لا تحمل للعالم رسالة ولا للأمم دعوة وأفلست في معنوياتها , ونضب معين حياتها , لا تملك مشرعاً صافياً من الدين السماوي , ولا نظاماً ثابتاً من الحكم البشري"
ويقول الكاتب الأوربي "ج . ه . دنيسون" في كتابه "العواطف كأساس للحضارة " :
"ففي القرنين الخامس والسادس كان العالم المتمدن على شفا جرف هارٍ من الفوضى , لأن العقائد التي كانت تعين على إقامة الحضارة كانت قد انهارت ; ولم يك ثم ما يعتد به مما يقوم مقامها . وكان يبدو إذ ذاك أن المدنية الكبرى , التي تكلف بناؤها جهود أربعة آلاف سنة , مشرفة على التفكك والانحلال ; وأن البشرية توشك أن ترجع ثانية إلى ماكانت عليه من الهمجية , إذ القبائل تتحارب وتتناحر , لا قانون ولا نظام . أما النظم التي خلقتها المسيحية فكانت تعمل على الفرقة والانهيار , بدلاً من الاتحاد والنظام . وكانت المدينة كشجرة ضخمة متفرعة امتد ظلها إلى العالم كله . واقفة تترنح وقد تسرب إليها العطب حتى اللباب . . وبين مظاهر هذا الفساد الشامل ولد الرجل الذي وحد العالم جميعه " . . يعني محمداً - [ ص ] . .
ولأن أتباع الرسل تفرقوا - من بعد ما جاءهم العلم - ولأن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم كانوا في شك منه مريب . . لهذا وذلك , ولخلو مركز القيادة البشرية من قائد ثبت مستيقن يعرف طريقه إلى الله . . أرسل الله محمداً [ ص ] ووجه إليه الأمر أن يدعو وأن يستقيم على دعوته , وألا يلتفت إلى الأهواء المصطرعة حوله وحول دعوته الواضحة المستقيمة ; وأن يعلن تجديد الإيمان بالدعوة الواحدة التي شرعها الله للنبيين أجمعين: