ولكن ينزل بقدر ما يشاء , إنه بعباده خبير بصير). . تجيء هذه اللمسة بعد ما سبق من مشهد الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم , ومشهد الذين آمنوا في روضات الجنات . ونفي كل شبهة عن صدق رسول الله [ ص ] فيما بلغهم به عن الله . وتقرير علم الله بذوات الصدور .
تجيء لترغيب من يريد التوبة والرجوع عما هو فيه من ضلالة , قبل أن يقضى في الأمر القضاء الأخير . ويفتح لهم الباب على مصراعيه:فالله يقبل عنهم التوبة , ويعفو عن السيئات ; فلا داعي للقنوط واللجاج في المعصية , والخوف مما أسلفوا من ذنوب . والله يعلم ما يفعلون . فهو يعلم التوبة الصادقة ويقبلها . كما يعلم ما اسلفوا من السيئات ويغفرها .
وفي ثنايا هذه اللمسة يعود إلى جزاء المؤمنين وجزاء الكافرين . فالذين آمنوا وعملوا الصالحات يستجيبون لدعوة ربهم , وهو يزيدهم من فضله . (والكافرون لهم عذاب شديد). . وباب التوبة مفتوح للنجاة من العذاب الشديد , وتلقي فضل الله لمن يستجيب .
وفضل الله في الآخرة بلا حساب وبلا حدود ولا قيود . فأما رزقه لعباده في الأرض فهو مقيد محدود ; لما يعلمه - سبحانه - من أن هؤلاء البشر لا يطيقون - في الأرض - أن يتفتح عليهم فيض الله غير المحدود:
(ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض , ولكن ينزل بقدر ما يشاء . إنه بعباده خبير بصير). .
وهذا يصور نزارة ما في هذه الحياة الدنيا من أرزاق - مهما كثرت - بالقياس إلى ما في الآخرة من فيض غزير . فالله يعلم أن عباده , هؤلاء البشر , لا يطيقون الغنى إلا بقدر , وأنه لو بسط لهم في الرزق - من نوع ما يبسط في الآخرة - لبغوا وطغوا . إنهم صغار لا يملكون التوازن . ضعاف لا يحتملون إلا إلى حد . والله بعباده خبير بصير . ومن ثم جعل رزقهم في هذه الأرض مقدراً محدوداً , بقدر ما يطيقون . واستبقى فيضه المبسوط لمن ينجحون في بلاء الأرض , ويجتازون امتحانها , ويصلون إلى الدار الباقية بسلام . ليتلقوا فيض الله المذخور لهم بلا حدود ولا قيود .
الدرس الثاني:28 الله ينزل الغيث وينشر رحمته
(وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا , وينشر رحمته , وهو الولي الحميد). .
وهذه لمسة أخرى كذلك تذكرهم بجانب من فضل الله على عباده في الأرض . وقد غاب عنهم الغيث , وانقطع عنهم المطر , ووقفوا عاجزين عن سبب الحياة الأول . . الماء . . وأدركهم اليأس والقنوط . ثم ينزل الله الغيث , ويسعفهم بالمطر , وينشر رحمته , فتحيا الأرض , ويخضر اليابس , وينبت البذر , ويترعرع النبات , ويلطف الجو , وتنطلق الحياة , ويدب النشاط , وتنفرج الأسارير , وتتفتح القلوب , وينبض الأمل , ويفيض الرجاء . . وما بين القنوط والرحمة إلا لحظات . تتفتح فيها أبواب الرحمة , فتتفتح أبواب السماء بالماء . . (وهو الولي الحميد). . وهو النصير والكافل المحمود الذات والصفات . .
واللفظ القرآني المختار للمطر في هذه المناسبة . .(الغيث). . يلقي ظل الغوث والنجدة , وتلبية المضطر في الضيق والكربة . كما أن تعبيره عن آثار الغيث . . (وينشر رحمته). . يلقي ظلال النداوة والخضرة والرجاء والفرح , التي تنشأ فعلا عن تفتح النبات في الأرض وارتقاب الثمار . وما من مشهد يريح الحس والأعصاب ,