|
في ظلال القرآن
الكريم
الشورى من الاية 39 الى الاية 43 وَالَّذöينَ إöذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصöرُونَ (39) وَجَزَاء سَيّöئَةٍ سَيّöئَةñ مّöثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهö إöنَّهُ لَا يُحöبُّ الظَّالöمöينَ (40) وَلَمَنö انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمöهö فَأُوْلَئöكَ مَا عَلَيْهöم مّöن سَبöيلٍ (41) إöنَّمَا السَّبöيلُ عَلَى الَّذöينَ يَظْلöمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فöي الْأَرْضö بöغَيْرö الْحَقّö أُوْلَئöكَ لَهُم عَذَابñ أَلöيمñ (42) وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إöنَّ ذَلöكَ لَمöنْ عَزْمö الْأُمُورö (43)
وإنشائها . ولكي يقوم أي شكل من أشكال النظم الإسلامية , لا بد قبلها من وجود مسلمين , ومن وجود إيمان ذي فاعلية وأثر . والإ فكل الأشكال التنظيمية لا تفي بالحاجة , ولا تحقق نظاماً يصح وصفه بأنه إسلامي . . ومتى وجد المسلمون حقاً , ووجد الإيمان في قلوبهم بحقيقته , نشأ النظام الإسلامي نشأة ذاتية , وقامت صورة منه تناسب هؤلاء المسلمين وبيئتهم وأحوالهم كلها ; وتحقق المبادىء الإسلامية الكلية خير تحقيق . (ومما رزقناهم ينفقون). . وهو نص مبكر كذلك على تحديد فرائض الزكاة التي حددت في السنة الثانية من الهجرة . ولكن الإنفاق العام من رزق الله كان توجيهاً مبكراً في حياة الجماعة الإسلامية . بل إنه ولد مع مولدها . ولا بد للدعوة من الإنفاق . لا بد منه تطهيراً للقلب من الشح , واستعلاء على حب الملك , وثقة بما عند الله . وكل هذه ضرورية لاستكمال معنى الإيمان . ثم إنها ضرورية كذلك لحياة الجماعة . فالدعوة كفاح . ولا بد من التكافل في هذا الكفاح وجرائره وآثاره . وأحياناً يكون هذا التكافل كاملاً بحيث لا يبقى لأحد مال متميز . كما حدث في أول العهد بهجرة المهاجرين من مكة , ونزولهم على إخوانهم في المدينة . حتى إذا هدأت حدة الظروف وضعت الأسس الدائمة للإنفاق في الزكاة . وعلى أية حال فالإنفاق في عمومه سمة من سمات الجماعة المؤمنة المختارة للقيادة بهذه الصفات . . والذين إذا اصابهم البغي هم ينتصرون . وذكر هذه الصفة في القرآن المكي ذو دلالة خاصة كما سلف . فهي تقرير لصفة أساسية في الجماعة المسلمة . صفة الانتصار من البغي , وعدم الخضوع للظلم . وهذا طبيعي بالنسبة لجماعة أخرجت للناس لتكون خير أمة . لتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر , وتهيمن على حياة البشرية بالحق والعدل ; وهي عزيزة بالله . (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين). . فمن طبيعة هذه الجماعة ووظيفتها أن تنتصر من البغي وأن تدفع العدوان . وإذا كانت هناك فترة اقتضت لأسباب محلية في مكة , ولمقتضيات تربوية في حياة المسلمين الأوائل من العرب خاصة , أن يكفوا أيديهم ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة , فذلك أمر عارض لا يتعلق بخصائص الجماعة الثابتة الأصيلة . ولقد كانت هنالك أسباب خاصة لاختيار أسلوب المسالمة والصبر في العهد المكي: منها أن إيذاء المسلمين الأوائل وفتنتهم عن دينهم لم تكن تصدر من هيئة مسيطرة على الجماعة . فالوضع السياسي والاجتماعي في الجزيرة كان وضعاً قبلياً مخلخلاً . ومن ثم كان الذين يتولون إيذاء الفرد المسلم هم خاصة أهله إن كان ذا نسب , ولم يكن أحد غير خاصة أهله يجرؤ على إيذائه - ولم يقع إلا في الندرة أن وقع اعتداء جماعي على فرد مسلم أو على المسلمين كجماعة - كما كان السادة يؤذون مواليهم إلى أن يشتريهم المسلمون ويعتقوهم فلا يجرؤ أحد على إيذائهم غالباً . ولم يكن الرسول [ ص ] يحب أن تقع معركة في كل بيت بين الفرد المسلم من هذا البيت والذين لم يسلموا بعد . والمسالمة كانت أقرب إلى إلانة القلوب من المخاشنة . ومنها أن البيئة العربية كانت بيئة نخوة تثور لصاحب الحق الذي يقع عليه الأذى . واحتمال المسلمين للأذى وصبرهم على عقيدتهم , كان أقرب إلى استثارة هذه النخوة في صف الإسلام والمسلمين . وهذا ما حدث بالقياس إلى حادث الشعب وحصر بني هاشم فيه . فقد ثارت النخوة ضد هذا الحصار , ومزقت العهد الذي حوته الصحيفة , ونقضت هذا العهد الجائر . ومنها أن البيئة العربية كانت بيئة حرب ومسارعة إلى السيف , وأعصاب متوفزة لا تخضع لنظام . والتوازن في الشخصية الإسلامية كان يقتضي كبح جماح هذا التوفز الدائم , وإخضاعها لهدف , وتعويدها الصبر وضبط الأعصاب . مع إشعار النفوس باستعلاء العقيدة على كل نزوة وعلى كل مغنم . ومن ثم كانت الدعوة إلى الصبر على الأذى متفقة مع منهج التربية الذي يهدف إلى التوازن في الشخصية الإسلامية , وتعليمها الصبر والثبات والمضي في الطريق . فهذه الاعتبارات وأمثالها قد اقتضت سياسة المسالمة والصبر في مكة . مع تقرير الطابع الأساسي الدائم للجماعة المسلمة:(والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون). . ويؤكد هذه القاعدة بوصفها قاعدة عامة في الحياة: (وجزاء سيئة سيئة مثلها). . فهذا هو الأصل في الجزاء . مقابلة السيئة بالسيئة , كي لا يتبجح الشر ويطغى , حين لا يجد رادعاً يكفه عن الإفساد في الأرض فيمضي وهو آمن مطمئن ! ذلك مع استحباب العفو ابتغاء أجر الله وإصلاح النفس من الغيظ , وإصلاح الجماعة من الأحقاد . وهو استثناء من تلك القاعدة . والعفو لا يكون إلا مع المقدرة على جزاء السيئة بالسيئة . فهنا يكون للعفو وزنه ووقعه في إصلاح المعتدي والمسامح سواء . فالمعتدي حين يشعر بأن العفو جاء سماحة ولم يجىء ضعفا يخجل ويستحيي , ويحس بأن خصمه الذي عفا هو الأعلى . والقوي الذي يعفو تصفو نفسه وتعلو . فالعفو عندئذ خير لهذا وهذا . ولا كذلك عند الضعف والعجز . وما يجوز أن يذكر العفو عند العجز . فليس له ثمة وجود . وهو شر يطمع المعتدي ويذل المعتدى عليه , وينشر في الأرض الفساد ! (إنه لا يحب الظالمين). . وهذا توكيد للقاعدة الأولى: (وجزاء سيئة سيئة مثلها)من ناحية . وإيحاء بالوقوف عند رد المساءة أو العفو عنها . وعدم تجاوز الحد في الاعتداء , من ناحية أخرى . وتوكيد آخر أكثر تفصيلا: (ولمن انتصر بعد ظلمه , فأولئك ما عليهم من سبيل . إنما السبيل على الذين يظلمون الناس , ويبغون في الأرض بغير الحق . أولئك لهم عذاب أليم). . فالذي ينتصر بعد ظلمه , ويجزي السيئة بالسيئة , ولا يعتدي , ليس عليه من جناح . وهو يزاول حقه المشروع . فما لأحد عليه من سلطان . ولا يجوز أن يقف في طريقه أحد . إنما الذين يجب الوقوف في طريقهم هم الذين يظلمون الناس , ويبغون في الأرض بغير الحق . فإن الأرض لا تصلح وفيها ظالم لا يقف له الناس ليكفوه ويمنعوه من ظلمه ; وفيها باغ يجور ولا يجد من يقاومه ويقتص منه . والله يتوعد الظالم الباغي بالعذاب الأليم . ولكن على الناس كذلك أن يقفوا له ويأخذوا عليه الطريق . ثم يعود إلى التوازن والاعتدال وضبط النفس والصبر والسماحة في الحالات الفردية , وعند المقدرة على الدفع كما هو مفهوم ; وحين يكون الصبر والسماحة استعلاء لا استخذاء ; وتجملاً لا ذلاً: (ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور). . ومجموعة النصوص في هذه القضية تصور الاعتدال والتوازن بين الاتجاهين ; وتحرص على صيانة النفس من الحقد والغيظ , ومن الضعف والذل , ومن الجور والبغي , وتعلقها بالله ورضاه في كل حال . وتجعل الصبر السابق - التالي
|