من السنوات الضوئية . أي المحسوبة بسرعة الضوء , التي تبلغ 168 . 000 ميل في الثانية ! هذه السماوات التي عرفنا منها هذا الجانب الصغير المحدود يكدن يتفطرن من فوقهن . . من خشية الله وعظمته وعلوه , وإشفاقاً من انحراف بعض أهل الأرض ونسيانهم لهذه العظمة التي يحسها ضمير الكون , فيرتعش , وينتفض , ويكاد ينشق من أعلى مكان فيه !
(والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض). .
والملائكة أهل طاعة مطلقة , فقد كانوا أولى الخلق بالطمأنينة . ولكنهم دائبون في تسبيح ربهم , لما يحسون من علوه وعظمته , ولما يخشون من التقصير في حمده وطاعته . ذلك بينما أهل الأرض المقصرون الضعاف ينكرون وينحرفون ; فيشفق الملائكة من غضب الله ; ويروحون يستغفرون لأهل الأرض مما يقع في الأرض من معصية وتقصير . ويجوز أن يكون المقصود هو استغفار الملائكة للذين آمنوا , كالذى جاء فى سورة غافر: (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم , ويؤمنون به , ويستغفرون للذين آمنوا). . وفي هذه الحالة يبدو:كم يشفق الملائكة من أية معصية تقع في الأرض , حتى من الذين آمنوا , وكم يرتاعون لها , فيستغفرون ربهم وهم يسبحون بحمده استشعاراً لعلوه وعظمته ; واستهوالاً لأية معصية تقع في ملكه ; واستدرارا لمغفرته ورحمته ; وطمعاً فيهما:
(ألا إن الله هو الغفور الرحيم). .
فيجمع إلى العزة والحكمة , العلو والعظمة , ثم المغفرة والرحمة . . ويعرف العباد ربهم بشتى صفاته .
وفي نهاية الفقرة - بعد تقرير تلك الصفات وأثرها في الكون كله - يعرض للذين يتخذون من دون الله أولياء . وقد بدا أن ليس في الكون غيره من ولي . ليعفى رسول الله [ ص ] من أمرهم , فما هو عليهم بوكيل , والله هو الحفيظ عليهم , وهو بهم كفيل:
(والذين اتخذوا من دونه أولياء , الله حفيظ عليهم , وما أنت عليهم بوكيل). .
وتبدو للضمير صورة هؤلاء المناكيد التعساء(وهم يتخذون من دون الله أولياء وأيديهم مما أمسكت خاوية , وليس هنالك إلا الهباء ! تبدو للضمير صورتهم - في ضآلتهم وضآلة أوليائهم من دون الله . والله حفيظ عليهم . وهم في قبضته ضعاف صغار . فأما النبي [ ص ] والمؤمنون معه , فهم معفون من التفكير في شأنهم , والاحتفال بأمرهم , فقد كفاهم الله هذا الاهتمام .
ولا بد أن تستقر هذه الحقيقة في ضمائر المؤمنين لتهدأ وتطمئن من هذا الجانب في جميع الأحوال . سواء كان أولئك الذين يتخذون من دون الله أولياء اصحاب سلطان ظاهر في الأرض , أم كانوا من غير ذوي السلطان . تطمئن في الحالة الأولى لهوان شأن أصحاب السلطان الظاهر - مهما تجبروا - ما داموا لا يستمدون سلطانهم هذا من الله والله حفيظ عليهم ; وهو من ورائهم محيط والكون كله مؤمن بربه من حولهم , وهم وحدهم المنحرفون كالنغمة النشاز في اللحن المتناسق ! وتطمئن في الحالة الثانية من ناحية أن ليس على المؤمنين من وزر في تولي هؤلاء غير الله ; فهم ليسوا بوكلاء على من ينحرفون من الخلق ; وليس عليهم إلى النصح والبلاغ . والله هو الحفيظ على قلوب العباد .
ومن ثم يسير المؤمنون في طريقهم . مطمئنين إلى أنه الطريق الموصول بوحي الله . وأن ليس عليهم من ضير في انحراف المنحرفين عن الطريق . كائنا ما يكون هذا الانحراف . .