تبت إليك وأنا أول المؤمنين). . (أو يرسل رسولاً)وهو الملك (فيوحي بإذنه ما يشاء)بالطرق التي وردت عن رسول الله - [ ص ] . الأولى:ما كان يلقيه الملك في روعه وقلبه من غير أن يراه كما قال [ ص ]:" إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها , فاتقوا الله وأجملوا في الطلب " . . والثانية:أنه كان [ ص ] يتمثل له الملك رجلاً , فيخاطبه حتى يعي عنه ما يقول . والثالثة:أنه كان يأتيه في مثل صلصلة الجرس , وكان أشده عليه , حتى إن جبينه ليتفصد عرقاً في اليوم الشديد البرد , وحتى إن راحلته لتبرك به إلى الأرض إن كان راكبها , ولقد جاء الوحي مرة كذلك وفخذه على فخذ زيد بن ثابت فثقلت عليه حتى كادت ترضها . والرابعة:أنه يرى الملك في صورته التي خلق عليها , فيوحي إليه ما شاء الله أن يوحيه . وهذا وقع له مرتين كما ذكر الله ذلك في سورة النجم .
هذه صور الوحي وطرق الاتصال . . (إنه علي حكيم). . يوحي من علو , ويوحي بحكمة إلى من يختار . .
وبعد فإنه ما من مرة وقفت أمام آية تذكر الوحي أو حديث , لأتأمل هذا الاتصال إلا أحسست له رجفة في أوصالي . . كيف ? كيف يكون هذا الاتصال بين الذات الأزلية الأبدية التي ليس لها حيز في المكان ولا حيز في الزمان , المحيطة بكل شيء , والتي ليس كمثلها شيء . كيف يكون هذا الاتصال بين هذه الذات العلية وذات إنسان متحيزة في المكان والزمان , محدودة بحدود المخلوقات , من أبناء الفناء ?! ثم كيف يتمثل هذا الاتصال معاني وكلمات وعبارات ?
وكيف تطيق ذات محدودة فانية أن تتلقى كلام الله الأزلي الأبدي الذي لا حيز له ولا حدود ? ولا شكل له معهود ?
وكيف ? وكيف ? . .
ولكني أعود فأقول:وما لك تسأل عن كيف ? وأنت لا تملك أن تتصور إلا في حدود ذاتك المتحيزة القاصرة الفانية ?! لقد وقعت هذه الحقيقة وتمثلت في صورة . وصار لها وجود هو الذي تملك أن تدركه من وجود .
ولكن الوهلة والرجفة والروعة لا تزول ! إن النبوة هذه أمر عظيم حقاً . وإن لحظة التلقي هذه لعظيمة حقاً . تلقي الذات الإنسانية لوحي من الذات العلوية . . أخي الذي تقرأ هذه الكلمات , أأنت معي في هذا التصور ?! أأنت معي تحاول أن تتصور ?! هذا الوحي الصادر من هناك . أأقول:هناك ?! كلا . إنه ليس هناك "هناك" ! الصادر من غير مكان ولا زمان , ولا حيز ولا حد ولا جهة ولا ظرف . الصادر من المطلق النهائي , الأزلي الأبدي , الصادر من الله ذي الجلال إلى إنسان . . إنسان مهما يكن نبياً رسولاً , فإنه هو هذا الإنسان ذو الحدود والقيود . . هذا الوحي . هذا الاتصال العجيب . المعجز . الذي لا يملك إلا الله أن يجعله واقعة تتحقق , ولا يعرف إلا الله كيف يقع ويتحقق . . أخي الذي تقرأ هذه الكلمات . هل تحس ما أحس من وراء هذه العبارات المتقطعة التي أحاول أن أنقل بها ما يخالج كياني كله ? إنني لا أعرف ماذا أقول عما يخالج كياني كله من الروعة والرجفة وأنا أحاول أن أتصور ذلك الحدث العظيم العجيب الخارق في طبيعته , والخارق في صورته , الذي حدث مرات ومرات . وأحس بحدوثه ناس رأوا مظاهره رأي العين , على عهد رسول الله [ ص ]