من بعض هذه الأرض , التي هي إحدى تلك الخلائق:(إنا خلقناهم من طين لازب). .
فهم قطعاً ليسوا أشد خلقاً من تلك الخلائق ! وموقفهم إذن عجيب . وهم يسخرون من آيات الله , ومن وعده لهم بالبعث والحياة . وسخريتهم هذه تثير العجب في نفس الرسول [ ص ] وهم في موقفهم سادرون:
(بل عجبت ويسخرون . وإذا ذكروا لا يذكرون . وإذا رأوا آية يستسخرون). .
وحق لرسول الله [ ص ] أن يعجب من أمرهم . فإن المؤمن الذي يرى الله في قلبه كما يراه محمد [ ص ] ويرى آيات الله واضحة هذا الوضوح , كثيرة هذه الكثرة , يعجب - لا شك - ويدهش كيف يمكن أن تعمى عنها القلوب ? وكيف يمكن أن تقف منها هذا الموقف العجيب !
وبينما رسول الله [ ص ] يعجب منهم هذا العجب , إذا هم يسخرون من القضية الواضحة التي يعرضها عليهم , سواء في وحدانية الله , أو في شأن البعث والنشور . وإذا هم مطموسون لا تتفتح قلوبهم للتذكير . وإذا هم يتلقون آيات الله بالسخرية الشديدة , والتعجيب ممن يريهم إياها , واستدعاء أسباب السخرية وطلبها طلباً كما يوحي لفظ(يستسخرون)!
ومن ذلك وصفهم القرآن بأنه سحر , وعجبهم مما يعدهم به من البعث:
وقالوا:إن هذا إلا سحر مبين . أإذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أإنا لمبعوثون ? أو آباؤنا الأولون ? . .
لقد غفلوا عن آثار قدرة الله فيما حولهم , وفي ذات أنفسهم . غفلوا عن آثار هذه القدرة في خلق السماوات والأرض وما بينهما ; وفي خلق الكواكب والشهب ; وفي خلق الملائكة والشياطين ; وفي خلقهم هم أنفسهم من طين لازب . . غفلوا عن آثار القدرة في هذا كله ووقفوا يستبعدون على هذه القدرة أن تعيدهم إذا ماتوا وصاروا تراباً وعظاماً , هم وآباءهم الأولين ! وما في هذا البعث والإعادة من غريب على تلك القدرة ولا بعيد ; لمن يتأمل هذا الواقع ويتدبره أقل تدبر ; في ضوء هذه المشاهدات التي تحيط بهم في الآفاق وفي أنفسهم .
الدرس الرابع:18 - 68 مشاهد لنعيم المؤمنين في الجنة وعذاب الكفار في النار
وإذ كانوا لا يتدبرون هذه المشاهدات في هوادة ويسر , وفي طمأنينة وهدوء . فهو يوقظهم إذن بشدة وعنف , على مشهدهم في الآخرة مبعوثين . ويصور لهم ذلك المشهد وهم فيه يضطربون :
(قل:نعم وأنتم داخرون). .
نعم ستبعثون أنتم وآباؤكم الأولون . ستبعثون وأنتم داخرون , ذلولون , مستسلمون . غير مستعصين ولا متأبين . . نعم . . ثم يدخل في استعراض ذلك كيف يكون . وإذا هم أمام مشهد من المشاهد المطولة المتعددة الجوانب . المتنوعة الأساليب . المزدحمة بالمناظر الحية والحركات المتتابعة . يلتقي فيها الوصف بالحوار . فتسير على نسق الحكاية فترة , ثم تنتقل إلى نسق الحوار أخرى . ويتخلل عرض الأحداث والحركات تعليقات وتعقيبات عليها . وبذلك يستكمل المشهد كل سمات الحياة:
(فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون). .