صنعة الصانع فيه بديعة التكوين جميلة التنسيق ; وأن الجمال فيه فطرة عميقة لا عرض سطحي ; وأن تصميمه قائم على جمال التكوين كما هو قائم على كمال الوظيفة سواء بسواء . فكل شيء فيه بقدر , وكل شيء فيه يؤدي وظيفته بدقة ; وهو في مجموعه جميل . والسماء . وتناثر الكواكب فيها , أجمل مشهد تقع عليه العين . ولا تمل طول النظر إليه . وكل نجمة توصوص بضوئها وكل كوكب يوصوص بنوره ; وكأنه عين محبة تخالسك النظر ; فإذا أنت حدقت فيها أغمضت وتوارت ; وإذا أنت التفت عنها أبرقت ولمعت ! وتتبع مواقعها وتغير منازلها ليلة بعد ليلة وآناً بعد آن متعة نفسية لا تملها النفس أبداً !
ثم تقرر الآية التالية أن لهذه الكواكب وظيفة أخرى , وأن منها شهباً ترجم بها الشياطين كي لا تدنو من الملأ الأعلى:
(وحفظاً من كل شيطان مارد . لا يسمعون إلى الملأ الأعلى ويقذفون من كل جانب دحوراً ولهم عذاب واصب . إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب). .
فمن الكواكب رجوم تحفظ السماء من كل شيطان عات متمرد وتذوده عن الاستماع إلى ما يدور في الملأ الأعلى ; فإذا حاول التسمع تلقفته الرجوم من كل جانب , فتدحره دحراً , وله في الآخرة عذاب موصول لا ينقطع . ولقد يخطف الشيطان المارد خطفة سريعة مما يدور في الملأ الأعلى , فيتبعه شهاب يلاحقه في هبوطه فيصيبه ويحرقه حرقاً .
ونحن لا نعرف كيف يتسمع الشيطان المارد ; ولا كيف يخطف الخطفة ; ولا كيف يرجم بالشهاب الثاقب . لأن هذه كلها غيبيات تعجز طبيعتنا البشرية عن تصور كيفياتها ; ومجالنا فيها هو تصديق ما جاء من عند الله فيها . وهل نعلم عن شيء في هذا الكون إلا القشور ?!
والمهم أن هذه الشياطين التي تمنع من الوصول إلى الملأ الأعلى , ومن التسمع لما يدور فيه هي التي يدعي المدعون أن بينها وبين الله نسباً , ولو كان شيء من هذا صحيحاً لتغير وجه المعاملة . ولما كان مصير الأنسباء والأصهار - بزعمهم - هو المطاردة والرجم والحرق أبداً !
الدرس الثالث:11 - 17 بداية خلق الإنسان والرد على إنكار الكفار للبعث
وبعد ذكر الملائكة . وذكر السماوات والأرض وما بينهما . وذكر الكواكب التي تزين السماء الدنيا . وذكر الشياطين المردة والقذائف التي تلاحقها . . يكلف الرسول [ ص ] أن يسألهم أهم أشد خلقاً أم هذه الخلائق ? وإذا كانت هذه الخلائق أشد وأقوى ففيم يدهشون لقضية البعث ويسخرون منها , ويستبعدون وقوعها , وهي لا تقاس إلى خلق تلك الخلائق الكبرى:
فاستفتهم أهم أشد خلقاً أم من خلقنا ? إنا خلقناهم من طين لازب . بل عجبت ويسخرون . وإذا ذكروا لا يذكرون . وإذا رأوا آية يستسخرون:وقالوا:إن هذا إلا سحر مبين . أإذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أإنا لمبعوثون ? أو آباؤنا الأولون ? .
فاستفتهم واسألهم إذا كانت الملائكة والسماوات والأرض وما بينهما والشياطين والكواكب والشهب كلها من خلق الله . فهل خلقهم هم أشد وأصعب من خلق هذه الأكوان والخلائق ?
ولا ينتظر منهم جواباُ , فالأمر ظاهر ; إنما هو سؤال الاستنكار والتعجيب من حالهم العجيب . وغفلتهم عما حولهم , والسخرية من تقديرهم للأمور . ومن ثم يعرض عليهم مادة خلقهم الأولى . وهي طين رخو لزج