|
في ظلال القرآن
الكريم
الصف من الاية 1 الى الاية 1 سَبَّحَ لöلَّهö مَا فöي السَّمَاوَاتö وَمَا فöي الْأَرْضö وَهُوَ الْعَزöيزُ الْحَكöيمُ (1)
سورة الصف مقدمة لسورة الصف هذه السورة تستهدف أمرين أساسيين واضحين في سياقها كل الوضوح , إلى جانب الإشارات والتلميحات الفرعية التي يمكن إرجاعها إلى ذينك الأمرين الأساسيين: تستهدف أولا أن تقرر في ضمير المسلم أن دينه هو المنهج الإلهي للبشرية في صورته الأخيرة , سبقته صور منه تناسب أطوارا معينة في تاريخ البشرية , وسبقته تجارب في حياة الرسل وحياة الجماعات , تمهد كلها لهذه الصورة الأخيرة من الدين الواحد , الذي أراد الله أن يكون خاتمة الرسالات . وأن يظهره على الدين كله في الأرض . . ومن ثم يذكر رسالة موسى ليقرر أن قومه الذين أرسل إليهم آذوه وانحرفوا عن رسالته فضلوا , ولم يعودوا امناء على دين الله في الأرض:(وإذ قال موسى لقومه:يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم . فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم , والله لا يهدي القوم الفاسقين). . وإذن فقد انتهت قوامة قوم موسى على دين الله ; فلم يعودوا أمناء عليه , مذ زاغوا فأزاغ الله قلوبهم , ومذ ضلوا فأضلهم الله والله لا يهدي القوم الفاسقين . ويذكر رسالة عيسى ليقرر أنه جاء امتدادا لرسالة موسى , ومصدقا لما بين يديه من التوراة , وممهدا للرسالة الأخيرة ومبشرا برسولها ; ووصلة بين الدين الكتابي الأول والدين الكتابي الأخير: وإذ قال عيسى ابن مريم:يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم , مصدقا لما بين يدي من التوراة , ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد . . وإذن فقد جاء ليسلم أمانة الدين الإلهي التي حملها بعد موسى إلى الرسول الذي يبشر به . وكان مقررا في علم الله وتقديره أن تنتهي هذه الخطوات إلى قرار ثابت دائم , وأن يستقر دين الله في الأرض في صورته الأخيرة على يدي رسوله الأخير:(هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون). هذا الهدف الأول الواضح في السورة يقوم عليه الهدف الثاني . فإن شعور المسلم بهذه الحقيقة , وإدراكه لقصة العقيدة , ولنصيبه هو من أمانتها في الأرض . . يستتبع شعوره بتكاليف هذه الأمانة شعورا يدفعه إلى صدق النية في الجهاد لإظهار دينه على الدين كله - كما أراد الله - وعدم التردد بين القول والفعل ; ويقبح أن يعلن المؤمن الرغبة في الجهاد ثم ينكص عنه , كما يبدو أنه حدث من فريق من المسلمين كما تذكر الروايات . . ومن ثم يجيء في مطلع السورة بعد إعلان تسبيح الكون وما فيه لله . .(يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ? كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون . إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص). ثم يدعوهم في وسط السورة إلى أربح تجارة في الدنيا والآخرة:(يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ? تؤمنون بالله ورسوله , وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم . ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون . يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار , ومساكن طيبة في جنات عدن , ذلك الفوز العظيم . وأخرى تحبونها:نصر من الله وفتح قريب , وبشر المؤمنين). ثم يختم السورة بنداء أخير للذين آمنوا , ليكونوا أنصار الله كما كان الحواريون أصحاب عيسى أنصاره إلى الله , على الرغم من تكذيب بني إسرائيل به وعدائهم لله:(يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين:من أنصاري إلى الله ? قال الحواريون:نحن أنصار الله . فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة , فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين). . هذان الخطان واضحان في السورة كل الوضوح , يستغرقان كل نصوصها تقريبا . فلا يبقى إلا التنديد بالمكذبين بالرسالة الأخيرة - وهذه قصتها وهذه غايتها - وهذا التنديد متصل دائما بالخطين الأساسيين فيها . وذلك قول الله تعالى , عن رسول الله [ ص ] بعد ذكر تبشير عيسى - عليه السلام - به: (فلما جاءهم بالبينات قالوا:هذا سحر مبين . ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام ? والله لا يهدي القوم الظالمين . يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم , والله متم نوره , ولو كره الكافرون). . وفيه يتضح في ضمير المسلم أن دينه هو دين الله في صورته الأخيرة في الأرض ; وأن أمانة العقيدة في البشرية كلها موكولة إليه ; يعلم أنه مكلف أن يجاهد في سبيل الله , كما يحب الله ; ويتضح طريقه , فلا يبقى في تصوره غبش , ولا يبقى في حياته مجال للتمتمة والغمغمة في هذه القضية , أو للتردد والتلفت عن الهدف المرسوم والنصيب المقسوم في علم الله وتقديره منذ بعيد . وفي أثناء توجيهه إلى هذا الهدف الواضح يوجه كذلك إلى خلق المسلم وطبيعة ضميره . وهو أن لا يقول ما لا يفعل , وألا يختلف له قول وفعل , ولا ظاهر وباطن , ولا سريرة وعلانية . وأن يكون هو نفسه في كل حال . متجردا لله . خالصا لدعوته . صريحا في قوله وفعله . ثابت الخطو في طريقه . متضامنا مع إخوانه . كالبنيان المرصوص . . الدرس الأول:1 تسبيح ما في الوجود لله (سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم). . تجيء هذه التسبيحة من الوجود كله لله العزيز الحكيم , في مطلع السورة التي تعلن للمسلمين أن دينهم هو الحلقة الأخيرة في دين الله ; وأنهم هم الأمناء على هذا الدين الذي يوحد الله , وينكر على الكافرين المشركين كفرهم وشركهم , والذي يدعوهم للجهاد لنصرته , وقد قدر الله أن يظهره على الدين كله ولو كره المشركون . فيوحي هذا المطلع أن الأمانة التي يقوم عليها المسلمون هي أمانة الوجود كله ; وأن العقيدة التي يطلب إليهم الجهاد فيها هي عقيدة كل ما في السماوات وما في الأرض ; وأن ظهور هذا الدين على الدين كله , هو ظاهرة كونية تتسق مع اتجاه الكون كله إلى الله العزيز الحكيم . الدرس الثاني:2 - 4 لوم من يقول ولا يفعل ومحبة الله للمجاهدين ثم يعاتب الله الذين آمنوا عتابا شديدا على أمر حدث من طائفة منهم . أمر يكرهه الله أشد الكره , ويمقته أكبر المقت , ويستفظعه من الذين آمنوا على وجه الخصوص: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ? كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون . إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا , كأنهم بنيان مرصوص . . قال علي بن طلحة عن ابن عباس قال:كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون:لوددنا أن الله عز وجل دلنا على أحب الأعمال إليه , فنعمل به , فأخبر الله نبيه أن أحب الأعمال إيمان به لا شك فيه , وجهاد أهل معصيته الذين خالفوا الإيمان ولم يقروا به . فلما نزل الجهاد كره ذلك ناس من المؤمنين ,
التالي
|