|
في ظلال القرآن
الكريم
الصف من الاية 2 الى الاية 3 يَا أَيُّهَا الَّذöينَ آَمَنُوا لöمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتاً عöندَ اللَّهö أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3)
وشق عليهم أمره , فقال الله سبحانه وتعالى:(يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ? كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون . . .). . وقد اختار ابن جرير في تفسيره هذا القول . وقال ابن كثير في تفسيره:"وحملوا الآية - يعني الجمهور - على أنها نزلت حين تمنوا فريضة الجهاد عليهم , فلما فرض نكل عنه بعضهم , كقوله تعالى: (ألم تر إلى الذين قيل لهم:كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة , فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية . وقالوا:ربنا لم كتبت علينا القتال ? لولا أخرتنا إلى أجل قريب ! قل:متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا . أينما تكونوا يدرككم الموت . ولو كنتم في بروج مشيدة). . وقال قتادة والضحاك نزلت توبيخا لقوم كانوا يقولون:قتلنا . ضربنا . طعنا . وفعلنا . . . ولم يكونوا فعلوا ذلك ! والراجح من سياق الآيات وذكر القتال أن مناسبة النزول هي التي عليها الجمهور وهي اختيار ابن جرير . ولكن النصوص القرآنية دائما أبعد مدى من الحوادث المفردة التي تنزل الآيات لمواجهتها , وأشمل لحالات كثيرة غير الحالة التي نزلت بسببها . ومن ثم فإننا نسير مع هذه النصوص إلى مدلولاتها العامة , مع اعتبار الحادث الذي تذكره روايات النزول . إنها تبدأ بعتاب على حادث وقع أو حوادث: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ?). وتثني باستنكار لهذا الفعل وهذا الخلق في صيغة تضخم هذا الاستنكار: (كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ?). . والمقت الذي يكبر (عند الله). . هو أكبر المقت وأشد البغض وأنكر النكر . . وهذا غاية التفظيع لأمر , وبخاصة في ضمير المؤمن , الذي ينادى بإيمانه , والذي يناديه ربه الذي آمن به . والآية الثالثة تشير إلى الموضوع المباشر الذي قالوا فيه ما لم يفعلوا . . وهو الجهاد . . وتقرر ما يحبه الله فيه ويرضاه: (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص). . فليس هو مجرد القتال . ولكنه هو القتال في سبيله . والقتال في تضامن مع الجماعة المسلمة داخل الصف . والقتال في ثبات وصمود (صفا كأنهم بنيان مرصوص). . إن القرآن - كما قلنا في مناسبات متعددة في هذا الجزء - كان يبني أمة . كان يبنيها لتقوم على أمانة دينه في الأرض , ومنهجه في الحياة , ونظامه في الناس . ولم يكن بد أن يبني نفوسها أفرادا ويبنيها جماعة , ويبنيها عملا واقعا . . كلها في آن واحد . . فالمسلم لا يبنى فردا إلا في جماعة . ولا يتصور الإسلام قائما إلا في محيط جماعة منظمة ذات ارتباط , وذات نظام , وذات هدف جماعي منوط في الوقت ذاته بكل فرد فيها . هو إقامة هذا المنهج الإلهي في الضمير وفي العمل مع إقامته في الأرض . وهو لا يقوم في الأرض إلا في مجتمع يعيش ويتحرك ويعمل وينتج في حدود ذلك المنهج الإلهي . والإسلام على شدة ما عني بالضمير الفردي وبالتبعة الفردية - ليس دين أفراد منعزلين , كل واحد منهم يعبد الله في صومعة . . إن هذا لا يحقق الإسلام في ضمير الفرد ذاته , ولا يحققه بطبيعة الحال في حياته . ولم يجئ الإسلام لينعزل هذه العزلة . إنما جاء ليحكم حياة البشرية ويصرفها . ويهيمن على كل نشاط فردي وجماعي في كل اتجاه . والبشرية لا تعيش أفرادا إنما تعيش جماعات وأمما . والإسلام جاء ليحكمها وهي كذلك . وهو مبني على أساس أن البشر يعيشون هكذا . ومن ثم فإن آدابه وقواعده ونظمه كلها مصوغة على هذا الأساس . وحين يوجه اهتمامه إلى ضمير الفرد فهو يصوغ هذا الضمير على أساس أنه يعيش في جماعة . وهو والجماعة التي يعيشون فيها يتجهون إلى الله , ويقوم - فيها - على أمانة دينه في الأرض , ومنهجه في الحياة , ونظامه في الناس . ومنذ اليوم الأول للدعوة قام مجتمع إسلامي - أو جماعة مسلمة - ذات قيادة مطاعة هي قيادة رسول الله [ ص ] وذات التزامات جماعية بين أفرادها , وذات كيان يميزها عن سائر الجماعات حولها , وذات آداب تتعلق بضمير الإنسان مراعى فيها - في الوقت ذاته - حياة هذه الجماعة . . وذلك كله قبل أن تقوم الدولة المسلمة في المدينة . بل إن قيام تلك الجماعة كان هو وسيلة إقامة الدولة في المدينة . . وننظر في هذه الآيات الثلاث فنرى امتزاج الخلق الفردي بالحاجة الجماعية , في ظل العقيدة الدينية , وطبيعتها التي تقتضي تحقيقها في الحياة البشرية في صورة نظام يقوم عليه من يحرسه ويتولاه . إن الآيتين الأوليين تتضمنان العقاب من الله سبحانه والاستنكار لأن يقول الذين آمنوا ما لا يفعلون . . وهما بهذا ترسمان الجانب الأصيل في شخصية المسلم . . الصدق . . والاستقامة . وأن يكون باطنه كظاهره , وأن يطابق فعله قوله . . إطلاقا . . وفي حدود أبعد مدى من موضوع القتال الذي يجيء في الآية الثالثة . وهذه السمة في شخصية المسلم يدق القرآن عليها كثيرا , وتتابعها السنة في تكرار يزيدها توكيدا:يقول الله تعالى منددا باليهود:(أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب . أفلا تعقلون ?). . ويقول تعالى منددا بالمنافقين: (ويقولون:طاعة . فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول). . ويقول فيهم كذلك:(ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام , وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد). . ويقول رسول الله [ ص ]:" آية المنافق ثلاث:إذا حدث كذب , وإذا وعد أخلف , وإذا أؤتمن خان " . والأحاديث في هذا المعنى كثيرة . ولعل الحديث الذي سنذكره هنا من أدق وألطف التوجيهات النبوية الكريمة في هذا الاتجاه . . روى الإمام أحمد وأبو داود عن عبدالله بن عامر بن ربيعة قال:أتانا رسول الله [ ص ] وأنا صبي , فذهبت لأخرج لألعب . فقالت أمي:يا عبدالله تعال أعطك . فقال لها رسول الله [ ص ]:" وما أردت أن تعطيه ! " فقالت:تمرا . فقال:" أما إنك لو لم تفعلي كتبت عليك كذبة " . . ولعله استقاء من هذا النبع النبوي الطاهر الرائق امتنع الإمام أحمد بن حنبل - رضي الله عنه - من الرواية من رجل سافر إليه مسافات شاسعة ليأخذ عنه حديثا . حينما وجده يضم حجره ويدعو بغلته يوهمها بطعام وحجره فارغ ! فتحرج أن يروي عنه , وقد كذب على بغلته ! فهذا بناء أخلاقي دقيق نظيف لضمير المسلم وشخصيته التي تليق بمن يقوم أمينا على منهج الله في الأرض . وهو الأمر الذي تقرره هذه السورة . وهذه حلقة من حلقات التربية في الجماعة المسلمة التي يعدها الله لتقوم على هذا الأمر . فإذا جئنا للموضوع المباشر الذي كانت هذه الآيات تواجهه عند نزولها . . وهو موضوع الجهاد . . فإننا نقف أمام موضوعات شتى للحديث والملاحظة والعبرة . نقف أولا أمام النفس البشرية التي تلم بها لحظات الضعف الطارئة , فلا يعصمها منها إلا عون الله , وإلا التذكير الدائم , والتوجيه الدائم , والتربية الدائمة . . فهؤلاء جماعة من المسلمين قيل في بعض الروايات:إنهم من المهاجرين الذين كانوا يتمنون أن يأذن الله لهم في القتال وهم في مكة من شدة الحماس والاندفاع . وكانوا يؤمرون بكف أيديهم وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة (فلما كتب عليهم القتال)في المدينة في الوقت المناسب الذي قدره الله (إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية , وقالوا:ربنا لم كتبت علينا القتال ? لولا أخرتنا إلى أجل قريب !). . أو هم جماعة من المسلمين في المدينة كانوا يسألون عن أحب الأعمال إلى الله ليفعلوه فلما أمروا بالجهاد كرهوه ! وهذه الوقفة كفيلة بأن تفتح أعيننا على ضرورة الموالاة للنفس البشرية بالتقوية والتثبيت والتوجيه ; وهي تواجه التكاليف الشاقة , لتستقيم في طريقها , وتتغلب على لحظات ضعفها , وتتطلع دائما إلى الأفق البعيد . كما تلهمنا أن نتواضع في طلب التكاليف وتمنيها ونحن في حالة العافية ! فلعلنا لا نقوى على ما نقترح على الله حين يكلفنا إياه ! وهؤلاء جماعة من المسلمين الأوائل يضعفون ويقولون ما لا يفعلون ; حتى يعاتبهم الله هذا العتاب الشديد , وينكر عليهم هذا الإنكار المخيف ! ونقف ثانية أمام حب الله للذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص . . نقف أمام هذا الإغراء القوي العميق على القتال في سبيل الله . . وأول ما يسجل هنا أنه كان لمواجهة حالة تقاعس وتخلف وكراهية للقتال . ولكن هذا السبب الغريب في الحادث المحدود لا ينفي أن الحض عام , وأن وراءه حكمة دائمة . إن الإسلام لا يتشهى القتال , ولا يريده حبا فيه . ولكنه يفرضه لأن الواقع يحتمه , ولأن الهدف الذي وراءه كبير . فالإسلام يواجه البشرية بالمنهج الإلهي في صورته الأخيرة المستقرة . وهذا المنهج - ولو أنه يلبي الفطرة المستقيمة - إلا أنه يكلف النفوس جهدا لتسمو إلى مستواه , ولتستقر على هذا المستوى الرفيع . وهناك قوى كثيرة في هذه الأرض لا تحب لهذا المنهج أن يستقر , لأنه يسلبها كثيرا من الامتيازات , التي تستند إلى قيم باطلة زائفة , يحاربها هذا المنهج ويقضي عليها حين يستقر في حياة البشر . وهذه القوى تستغل ضعف النفوس عن البقاء في المستوى الإيماني وتكاليفه , كما تستغل جهل العقول , وموروثات الأجيال , لتعارض هذا المنهج وتقف في طريقه . والشر عارم . والباطل متبجح . والشيطان لئيم ! ومن ثم يتعين على حملة الإيمان وحراس المنهج أن يكونوا أقوياء ليغلبوا عملاء الشر وأعوان الشيطان . أقوياء في أخلاقهم , وأقوياء في قتال خصومهم على السواء . ويتعين عليهم أن يقاتلوا عندما يصبح القتال هو الأداة الوحيدة لضمان حرية الدعوة للمنهج الجديد , وحرية الاعتقاد به , وحرية العمل وفق نظامه المرسوم . وهم يقاتلون في سبيل الله . . لا في سبيل ذواتهم أو عصبيتهم من أي لون . . عصبية الجنس وعصبية الأرض وعصبية العشيرة وعصبية البيت . . . في سبيل الله وحده , لتكون كلمة الله هي العليا . والرسول [ ص ] يقول:" من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله " . السابق - التالي
|