|
في ظلال القرآن
الكريم
العلق من الاية 1 الى الاية 2 اقْرَأْ بöاسْمö رَبّöكَ الَّذöي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإöنسَانَ مöنْ عَلَقٍ (2)
سورة العلق تعريف بسورة العلق مطلع هذه السورة هو أول ما نزل من القرآن باتفاق . والروايات التي تذكر نزول غيرها ابتداء ليست وثيقة . قال الإمام أحمد:حدثنا عبد الرزاق , حدثنا معمر بن الزهري , عن عروة , عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "أول ما بدئ به رسول الله [ ص ] من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم , فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح . ثم حبب إليه الخلاء . وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد , قبل أن ينزع إلى أهله , ويتزود إلى ذلك . ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها . حتى جاءه الحق وهو في غار حراء . فجاءه الملك , فقال:اقرأ . قال:ما أنا بقارئ , قال:فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد . ثم أرسلني فقال:اقرأ . فقلت:ما أنا بقارئ , فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد , ثم أرسلني فقال:اقرأ . فقلت:ما أنا بقارئ . فأخذني فغطني الثالثة , ثم قال:(اقرأ باسم ربك الذي خلق . خلق الإنسان من علق . اقرأ وربك الأكرم . الذي علم بالقلم . علم الإنسان ما لم يعلم). . فرجع بها رسول الله [ ص ] ترجف بوادره , حتى دخل على خديجة , فقال " زملوني زملوني " فزملوه حتى ذهب عنه الروع , فقال:يا خديجة مالي ? وأخبرها الخبر . وقال:" قد خشيت على نفسي " فقالت له:كلا . أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا . إنك لتصل الرحم , وتصدق الحديث , وتحمل الكل , وتقري الضيف , وتعين على نوائب الحق . ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي , وهو ابن عم خديجة أخي أبيها . وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية . كان يكتب الكتاب العربي , وكتب العبرانية من الإنجيل - ما شاء الله أن يكتب - وكان شيخا كبيرا قد عمي . فقالت خديجة:أي ابن عم , اسمع من ابن أخيك , فقال ورقة:ابن أخي , ما ترى ? فأخبره رسول الله [ ص ] بما رأى . فقال ورقة:هذا الناموس الذي أنزل على موسى . ليتني فيها جذع , ليتني أكون حيا حين يخرجك قومك . فقال رسول الله [ ص ]:" أو مخرجي هم ? " فقال ورقة:نعم . لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي , وإن أدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا . ثم لم ينشب ورقة أن توفي . . . الخ" . وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من حديث الزهري . . وروى الطبري - بإسناده - عن عبد الله بن الزبير . قال: "قال رسول الله [ ص ]:فجاءني - وأنا نائم - بنمط من ديباج فيه كتاب . فقال:اقرأ . فقلت:ما اقرأ . فغتني حتى ظننت أنه الموت . ثم أرسلني فقال:اقرأ . فقلت:ماذا أقرأ ? وما أقول ذلك إلا افتداء من أن يعود إلي بمثل ما صنع بي . قال: اقرأ باسم ربك الذي خلق . . . إلى قوله:علم الإنسان ما لم يعلم قال:فقرأته . ثم انتهى , ثم انصرف عني . وهببت من نومي , وكأنما كتب في قلبي كتابا . قال:ولم يكن من خلق الله أبغض علي من شاعر أو مجنون . كنت لا أطيق أن أنظر إليهما , قال:قلت:إن الأبعد - يعني نفسه - لشاعر أو مجنون ! لا تحدث بها عني قريش أبدا ! لأعمدن إلى حالق من الجبل فلأطرحن نفسي منه فلأقتلنها فلأستريحن ! قال:فخرجت أريد ذلك . حتى إذا كنت في وسط الجبل سمعت صوتا من السماء يقول:يا محمد . أنت رسول الله وأنا جبريل . قال فرفعت رأسي إلى السماء , فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول:يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل . قال:فوقفت أنظر إليه , وشغلني ذلك عما أردت , فما أتقدم وما أتأخر , وجعلت أصرف وجهي عنه في أفاق السماء , فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك , فما زلت واقفا ما أتقدم أمامي , ولا أرجع ورائي , حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي , حتى بلغوا مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني . . ثم انصرف عني وانصرفت راجعا إلى أهلي . . . " . . وقد رواه ابن إسحاق مطولا عن وهب بن كيسان عن عبيد أيضا . . وقفت هنا أمام هذا الحادث الذي طالما قرأناه في كتب السيرة وفي كتب التفسير , ثم مررنا به وتركناه , أو تلبثنا عنده قليلا ثم جاوزناه ! إنه حادث ضخم . ضخم جدا . ضخم إلى غير حد . ومهما حاولنا اليوم أن نحيط بضخامته , فإن جوانب كثيرة منه ستظل خارج تصورنا ! إنه حادث ضخم بحقيقته . وضخم بدلالته . وضخم بآثاره في حياة البشرية جميعا . . وهذه اللحظة التي تم فيها هذا الحادث تعد - بغير مبالغة - هي أعظم لحظة مرت بهذه الأرض في تاريخها الطويل . ما حقيقة هذا الحادث الذي تم في هذه اللحظة ? حقيقته أن الله جل جلاله , العظيم الجبار القهار المتكبر , مالك الملك كله , قد تكرم - في عليائه - فالتفت إلى هذه الخليقة المسماة بالإنسان , القابعة في ركن من أركان الكون لا يكاد يرى اسمه الأرض . وكرم هذه الخلقية باختيار واحد منها ليكون ملتقى نوره الإلهي , ومستودع حكمته , ومهبط كلماته , وممثل قدره الذي يريده - سبحانه - بهذه الخليقة . وهذه حقيقة كبيرة . كبيرة إلى غير حد . تتكشف جوانب من عظمتها حين يتصور الإنسان - قدر طاقته - حقيقة الألوهية المطلقة الأزلية الباقية . ويتصور في ظلها حقيقة العبودية المحدودة الحادثة الفانية . ثم يستشعر وقع هذه العناية الربانية بهذا المخلوق الإنساني ; ويتذوق حلاوة هذا الشعور ; ويتلقاه بالخشوع والشكر والفرح والابتهال . . وهو يتصور كلمات الله , تتجاوب بها جنبات الوجود كله , منزلة لهذا الإنسان في ذلك الركن المنزوي من أركان الوجود الضئيلة ! وما دلالة هذا الحادث ? دلالته - في جانب الله سبحانه - أنه ذو الفضل الواسع , والرحمة السابغة , الكريم الودود المنان . يفيض من عطائه ورحمته بلا سبب ولا علة , سوى أن الفيض والعطاء بعض صفاته الذاتية الكريمة . ودلالته - في جانب الإنسان - أن الله - سبحانه - قد أكرمه كرامة لا يكاد يتصورها , ولا يملك أن يشكرها . وأن هذه وحدها لا ينهض لها شكره ولو قضى عمره راكعا ساجدا . . هذه . . أن يذكره الله , ويلتفت إليه , ويصله به , ويختار من جنسه رسولا يوحي إليه بكلماته . وأن تصبح الأرض . . مسكنه . . مهبطا لهذه الكلمات التي تتجاوب بها جنبات الوجود في خشوع وابتهال . فأما آثار هذا الحادث الهائل في حياة البشرية كلها فقد بدأت منذ اللحظة الأولى . بدأت في تحويل خط التاريخ , منذ أن بدأت في تحويل خط الضمير الإنساني . . منذ أن تحددت الجهة التي يتطلع إليها الإنسان ويتلقى عنها تصوراته وقيمه وموازينه . . إنها ليست الأرض وليس الهوى . . إنما هي السماء والوحي الإلهي . ومنذ هذه اللحظة عاش أهل الأرض الذين استقرت في أرواحهم هذه الحقيقة . . في كنف الله ورعايته المباشرة الظاهرة . عاشوا يتطلعون إلى الله مباشرة في كل أمرهم . كبيره وصغيره . يحسون ويتحركون تحت عين الله . ويتوقعون أن تمتد يده - سبحانه - فتنقل خطاهم في الطريق خطوة خطوة . تردهم عن الخطأ وتقودهم إلى الصواب . . وفي كل ليلة كانوا يبيتون في ارتقاب أن يتنزل عليهم من الله وحي يحدثهم بما في نفوسهم , ويفصل في مشكلاتهم , ويقول لهم:خذوا هذا ودعوا ذاك ! ولقد كانت فترة عجيبة حقا . فترة الثلاثة والعشرين عاما التالية , التي استمرت فيها هذه الصلة الظاهرة المباشرة بين البشر والملأ الأعلى . فترة لا يتصور حقيقتها إلا الذين عاشوها . وأحسوها . وشهدوا بدأها ونهايتها . وذاقوا حلاوة هذا الاتصال . وأحسوا يد الله تنقل خطاهم في الطريق . ورأوا من أين بدأوا وإلى أين انتهوا . . وهي مسافة هائلة لا تقاس بأي مقياس من مقاييس الأرض . مسافة في الضمير لا تعدلها مسافة في الكون الظاهر , ولا يماثلها بعد بين الأجرام والعوالم ! المسافة بين التلقي من الأرض والتلقي من السماء . بين الاستمداد من الهوى والاستمداد من الوحي بين الجاهلية والإسلام . بين البشرية والربانية , وهي أبعد مما بين الأرض والسماء في عالم الأجرام ! وكانوا يعرفون مذاقها . ويدركون حلاوتها . ويشعرون بقيمتها , ويحسون وقع فقدانها حينما انتقل رسول الله [ ص ] إلى الرفيق الأعلى , وانقطعت هذه الفترة العجيبة التي لا يكاد العقل يتصورها لولا أنها وقعت حقا . عن أنس - رضي الله عنه - قال:قال أبو بكر لعمر - رضي الله عنهما - بعد وفاة رسول الله [ ص ] انطلق بنا إلى أم أيمن - رضي الله عنها - نزورها كما كان رسول الله [ ص ] يزورها . فلما أتيا إليها بكت . فقالا لها:ما يبكيك ? أما تعلمين أن ما عند الله خير لرسول الله [ ص ] ? قالت:بلى , إني لأعلم أن ما عند الله خير لرسول الله [ ص ] ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء . فهيجتهما على البكاء , فجعلا يبكيان معها . . . [ أخرجه مسلم ] . . . ولقد ظلت آثار هذه الفترة تعمل في حياة البشر منذ تلك اللحظة إلى هذه اللحظة , وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها . لقد ولد الإنسان من جديد باستمداد قيمه من السماء لا من الأرض , واستمداد شريعته من الوحي لا من الهوى . لقد تحول خط التاريخ كما لم يتحول من قبل قط , وكما لم يتحول من بعد أيضا . وكان هذا الحدث هو مفرق الطريق . وقامت المعالم في الأرض واضحة عالية لا يطمسها الزمان , ولا تطمسها الأحداث . وقام في الضمير الإنساني تصور للوجود وللحياة وللقيم لم يسبق أن اتضح بمثل هذه الصورة , ولم يجيء بعده تصور في مثل شموله ونصاعته وطلاقته من اعتبارات الأرض جميعا , مع واقعيته وملاءمته للحياة الإنسانية . ولقد استقرت قواعد هذا المنهج الإلهي في الأرض ! وتبينت خطوطه ومعالمه . (ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة). . لا غموض ولا إبهام . إنما هو الضلال عن علم , والانحراف عن عمد , والالتواء عن قصد ! إنه الحادث الفذ في تلك اللحظة الفريدة . الحادث الكوني الذي ابتدأ به عهد في هذه الأرض وانتهى عهد . والذي كان فرقانا في تاريخ البشر لا في تاريخ أمة ولا جيل . والذي سجلته جنبات الوجود كله وهي تتجاوب به , وسجله الضمير الإنساني . وبقي أن يتلفت هذا الضمير اليوم على تلك الذكرى العظيمة ولا ينساها . وأن يذكر دائما أنه ميلاد جديد للإنسانية لم يشهده إلا مرة واحدة في الزمان . . . ذلك شأن المقطع الأول من السورة . فأما بقيتها فواضح أنها نزلت فيما بعد . فهي تشير إلى مواقف وحوادث في السيرة لم تجيء إلا متأخرة , بعد تكليف الرسول [ ص ] إبلاغ الدعوة , والجهر بالعبادة , وقيام المشركين بالمعارضة . وذلك ما يشير إليه قوله تعالى في السورة:(أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى ?). . . الخ ولكن هناك تناسقا كاملا بين أجزاء السورة , وتسلسلا في ترتيب الحقائق التي تضمنتها بعد هذا المطلع المتقدم . يجعل من السورة كلها وحدة منسقة متماسكة . . (اقرأ باسم ربك الذي خلق . خلق الإنسان من علق . اقرأ وربك الأكرم . الذي علم بالقلم . علم الإنسان ما لم يعلم). . إنها السورة الأولى من هذا القرآن , فهي تبدأ باسم الله . وتوجه الرسول [ ص ] أول ما توجه , في أول لحظة من لحظات اتصاله بالملأ الأعلى , وفي أول خطوة من خطواته في طريق الدعوة التي اختير لها . . توجهه إلى أن يقرأ باسم الله: (اقرأ باسم ربك). . وتبدأ من صفات الرب بالصفة التي بها الخلق والبدء: (الذي خلق). ثم تخصص:خلق الإنسان ومبدأه:(خلق الإنسان من علق). . من تلك النقطة الدموية الجامدة العالقة
التالي
|