|
في ظلال القرآن
الكريم
العلق من الاية 3 الى الاية 7 اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذöي عَلَّمَ بöالْقَلَمö (4) عَلَّمَ الْإöنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) كَلَّا إöنَّ الْإöنسَانَ لَيَطْغَى (6) أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى (7)
بالرحم . من ذلك المنشأ الصغير الساذج التكوين . فتدل على كرم الخالق فوق ما تدل على قدرته . فمن كرمه رفع هذا العلق إلى درجة الإنسان الذي يعلم فيتعلم:(اقرأ وربك الأكرم , الذي علم بالقلم . علم الإنسان ما لم يعلم). . وإنها لنقلة بعيدة جدا بين المنشأ والمصير . ولكن الله قادر . ولكن الله كريم . ومن ثم كانت هذه النقلة التي تدير الرؤوس ! وإلى جانب هذه الحقيقة تبرز حقيقة التعليم . . تعليم الرب للإنسان(بالقلم). . . لأن القلم كان وما يزال أوسع وأعمق أدوات التعليم أثرا في حياة الإنسان . . ولم تكن هذه الحقيقة إذ ذاك بهذا الوضوح الذي نلمسه الآن ونعرفه في حياة البشرية . ولكن الله - سبحانه - كان يعلم قيمة القلم , فيشير إليه هذه الإشارة في أول لحظة من لحظات الرسالة الأخيرة للبشرية . في أول سورة من سور القرآن الكريم . . هذا مع أن الرسول الذي جاء بها لم يكن كاتبا بالقلم , وما كان ليبرز هذه الحقيقة منذ اللحظة الأولى لو كان هو الذي يقول هذا القرآن . لولا أنه الوحي , ولولا أنها الرسالة ! ثم تبرز مصدر التعليم . . إن مصدره هو الله . منه يستمد الإنسان كل ما علم , وكل ما يعلم . وكل ما يفتح له من أسرار هذا الوجود , ومن أسرار هذه الحياة , ومن أسرار نفسه . فهو من هناك . من ذلك المصدر الواحد , الذي ليس هناك سواه . وبهذا المقطع الواحد الذي نزل في اللحظة الأولى من اتصال الرسول [ ص ] بالملأ الأعلى , بهذا المقطع وضعت قاعدة التصور الإيماني العريضة . . كل أمر . كل حركة . كل خطوة . كل عمل . باسم الله . وعلى اسم الله . باسم الله تبدأ . وباسم الله تسير . وإلى الله تتجه . وإليه تصير . والله هو الذي خلق . وهو الذي علم . فمنه البدء والنشأة , ومنه التعليم والمعرفة . . والإنسان يتعلم ما يتعلم , ويعلم ما يعلم . . فمصدر هذا كله هو الله الذي خلق والذي علم . .(علم الإنسان ما لم يعلم). . وهذه الحقيقة القرآنية الأولى , التي تلقاها قلب رسول الله [ ص ] في اللحظة الأولى هي التي ظلت تصرف شعوره , وتصرف لسانه , وتصرف عمله واتجاهه , بعد ذلك طوال حياته . بوصفها قاعدة الإيمان الأولى . قال الإمام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن قيم الجوزية في كتابه:"زاد المعاد في هدى خير العباد" يلخص هدي رسول الله [ ص ] في ذكر الله: "كان النبي [ ص ] أكمل الخلق ذكرا لله عز وجل . بل كان كلامه كله في ذكر الله وما والاه . وكان أمره ونهيه وتشريعه للأمة ذكرا منه لله , وإخباره عن أسماء الرب وصفاته وأحكامه وأفعاله ووعده ووعيده ذكرا منه له , وثناؤه عليه بآلائه وتمجيده وتحميده وتسبيحه ذكرا منه له , وسؤاله ودعاؤه إياه ورغبته ورهبته ذكرا منه له . وسكوته وصمته ذكرا منه له بقلبه . فكان ذاكرا لله في كل أحيانه وعلى جميع أحواله . وكان ذكره لله يجري مع أنفاسه قائما وقاعدا وعلى جنبه , وفي مشيته وركوبه , وسيره ونزوله , وظعنه وإقامته . "وكان إذا استيقظ قال:الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور . وقالت عائشة كان إذا هب من الليل كبر عشرا , وهلل عشرا , ثم قال:اللهم إني أعوذ بك من ضيق الدنيا وضيق يوم القيامة عشرا , ثم يستفتح الصلاة . وقالت أيضا:كان إذا استيقظ من الليل قال:لا إله إلا أنت سبحانك . اللهم أستغفرك لذنبي وأسألك رحمتك . اللهم زدني علما , ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني وهب لي من لدنك رحمة , إنك أنت الوهاب " ذكرها أبو داود" . وأخبر أن من استيقظ من الليل فقال:"لا إله إلا الله وحده , لا شريك له , له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير , الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ثم قال:اللهم اغفر لي , أو دعاء آخر استجيب له . فإن توضأ وصلى قبلت صلاته "ذكره البخاري" . وقال ابن عباس عنه [ ص ] ليلة مبيته عنده:إنه لما استيقظ رفع رأسه للسماء , وقال العشر الآيات الخواتيم من سورة آل عمران . . (إن في خلق السماوات والأرض . . . الخ)ثم قال . . " اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والآرض ومن فيهن . ولك الحمد أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن . ولك الحمد أنت الحق , ووعدك الحق , وقولك الحق , ولقاؤك حق , والجنة حق , والنار حق , والنبيون حق , ومحمد حق , والساعة حق . اللهم لك أسلمت , وبك آمنت , وعليك توكلت , وإليك أنبت , وبك خاصمت , وإليك حاكمت , فاغفر لي ما قدمت وما أخرت , وما أسررت وما أعلنت . أنت إلهي لا إله إلا أنت , ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم " . "وقد قالت عائشة - رضي الله عنها - كان إذا قام من الليل قال:" اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل , فاطر السماوات والأرض , عالم الغيب والشهادة , أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون , اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك , إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم " . وربما قالت:كان يفتتح صلاته بذلك . "وكان إذا أوتر ختم وتره بعد فراغه بقوله:سبحان الله القدوس [ ثلاثا ] ويمد بالثالثة صوته . "وكان إذا خرج من بيته يقول:بسم الله توكلت على الله , اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل , أو أزل , أو أظلم أو أظلم , أو أجهل , أو يجهل علي " [ حديث صحيح ] . "وقال [ ص ] من قال إذا خرج من بيته بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله يقال له:هديت وكفيت ووقيت وتنحى عنه الشيطان " [ حديث حسن ] . "وقال ابن عباس عنه - ليلة مبيته عنده -:إنه خرج إلى صلاة الفجر وهو يقول:اللهم اجعل في قلبي نورا , واجعل في لساني نورا , واجعل في سمعي نورا , واجعل في بصري نورا , واجعل من خلفي نورا , ومن أمامي نورا , واجعل من فوقي نورا , واجعل من تحتي نورا , اللهم أعظم لي نورا " . "وقال فضل بن مرزوق عن عطية العوفي , عن أبي سعيد الخدري:قال:قال رسول الله [ ص ]:" ما خرج رجل من بيته إلى الصلاة فقال:اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك , وبحق ممشاي إليك , فإني لم أخرج بطرا ولا أشرا ولا رياء ولا سمعة , وإنما خرجت اتقاء سخطك , وابتغاء مرضاتك , أسألك أن تنقذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي , فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت . إلا وكل الله به سبعين ألف ملك يستغفرون له , وأقبل الله عليه بوجهه حتى يقضي صلاته " . وذكر أبو داود عنه [ ص ] أنه كان إذا دخل المسجد قال أعوذ بالله العظيم , وبوجهه الكريم , وسلطانه القديم , من الشيطان الرجيم . فإذا قال ذلك قال الشيطان:حفظ مني سائر اليوم" . وقال [ ص ]:" إذا دخل أحدكم المسجد فليصل وليسلم على النبي [ ص ] وليقل:اللهم افتح لي أبواب رحمتك , فإذا خرج فليقل:اللهم إني أسألك من فضلك " . . " وذكر عنه أنه كان إذا دخل المسجد صلى على محمد وآله وسلم , ثم يقول:اللهم اغفر لي ذنوبي , وافتح لي أبواب رحمتك " . فإذا خرج صلى على محمد وآله وسلم , ثم يقول:اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي باب فضلك . "وكان إذا صلى الصبح جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس يذكر الله عز وجل . وكان يقول إذا أصبح:اللهم بك أصبحنا , وبك أمسينا , وبك نحيا , وبك نموت , وإليك النشور . " [ حديث صحيح ] . " وكان يقول:"أصبحنا وأصبح الملك لله , والحمد لله , ولا إله إلا الله وحده لا شريك له , له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير . رب أسألك خير ما في هذا اليوم وخير ما بعده , وأعوذ بك من شر هذا اليوم , وشر ما بعده ; رب أعوذ بك من الكسل وسوء الكبر , رب أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر . وإذا أمسى قال:أمسينا وأمسى الملك لله . . " الخ [ ذكره مسلم ] . "وقال له أبو بكر الصديق رضي الله عنه - مرني بكلمات أقولهن إذا أصبحت وإذا أمسيت . قال:قل:اللهم فاطر السماوات والآرض , عالم الغيب والشهادة , رب كل شيء مليكه ومالكه . أشهد أن لا إله إلا أنت , أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه , وأن أقترف على نفسي سوءا أو أجره إلى مسلم . قال:قلها إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك " [ حديث صحيح ] . "ثم ذكر أحاديث كثيرة في هذا الباب" . . . . "وكان [ ص ] إذا استجد ثوبا سماه باسمه عمامة أو قميصا أو رداء . ثم يقول:" اللهم لك الحمد , أنت كسوتنيه , أسألك خيره وخير ما صنع له , وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له " . [ حديث صحيح ] . "ويذكر عنه [ ص ] أنه كان يقول إذا انقلب إلى بيته:" الحمد لله الذي كفاني وآواني , والحمد لله الذي أطعمني وسقاني , والحمد لله الذي من علي . أسألك أن تجيرني من النار " . "وثبت عنه في الصحيحين أنه كان يقول عند دخوله الخلاء:" اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث " . وكان إذا خرج من الخلاء قال:" غفرانك " ويذكر عنه أنه كان يقول:" الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني " [ ذكره ابن ماجة ] . "وثبت عنه أنه وضع يده في الإناء الذي فيه الماء , ثم قال للصحابة:" توضأوا باسم الله " . "ويذكر عنه أنه كان يقول "عند رؤية الهلال":" اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان , والسلامة والإسلام , ربي وربك الله " [ قال الترمذي حديث حسن ] . "وكان إذا وضع يده في الطعام قال:باسم الله . ويأمر الآكل بالتسمية ويقول:إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى , فإن نسي أن يذكر اسم الله في أوله فليقل:باسم الله في أوله وآخره " [ حديث صحيح ] . وهكذا كانت حياته كلها [ ص ] بدقائقها متأثرة بهذا التوجيه الإلهي الذي تلقاه في اللحظة الأولى . وقام به تصوره الإيماني على قاعدته الأصيلة العريقة . . ولقد كان من مقتضيات تلك الحقيقة:حقيقة أن الله هو الذي خلق . وهو الذي علم . وهو الذي أكرم . أن يعرف الإنسان . ويشكر . ولكن الذي حدث كان غير هذا , وهذا الانحراف هو الذي يتحدث عنه المقطع الثاني للسورة: (كلا ! إن الإنسان ليطغى . أن رآه استغنى . إن إلى ربك الرجعى). . السابق - التالي
|