أو ليس يعلم ما تنطوي عليه تلك الصدور من صبر أو جزع , ومن إيمان أو نفاق ? فمن الذي يخدعه هؤلاء وعلى من يموهون ?
(وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين). .
وليكشفنهم فيعرفون ; فما كانت الفتنة إلا ليتبين الذين آمنوا ويتبين المنافقون .
ونقف لحظة أمام التعبير القرآني الدقيق وهو يكشف عن موضع الخطأ في هذا النموذج من الناس حين يقول: (جعل فتنة الناس كعذاب الله). .
فليست الغلطة أن صبرهم قد ضعف عن احتمال العذاب , فمثل هذا يقع للمؤمنين الصادقين في بعض اللحظات - وللطاقة البشرية حدود - ولكنهم يظلون يفرقون تفرقة واضحة في تصورهم وشعورهم بين كل ما يملكه البشر لهم من أذى وتنكيل , وبين عذاب الله العظيم ; فلا يختلط في حسهم أبدا عالم الفناء الصغير وعالم الخلود الكبير , حتى في اللحظة التي يتجاوز عذاب الناس لهم مدي الطاقة وجهد الاحتمال . . . إن الله في حس المؤمن لا يقوم له شيء , مهما تجاوز الأذى طاقته واحتماله . . وهذا هو مفرق الطريق بين الإيمان في القلوب والنفاق .
الدرس الرابع:12 - 13 فردية التبعة يوم القيامة
وأخيرا يعرض فتنة الإغواء والإغراء ; ويعرض معها فساد تصور الذين كفروا للتبعة والجزاء ; ويقرر فردية التبعة وشخصية الجزاء وهو المبدأ الإسلامي الكبير , الذي يحقق العدل في أجلى مظاهره , وأفضل أوضاعه:
وقال الذين كفروا للذين آمنوا:اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم . و ما هم بحاملين من خطاياهم من شيء . إنهم لكاذبون . وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم , وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون . .
وقد كان الذين كفروا يقولون هذا تمشيا مع تصورهم القبلي في احتمال العشيرة للديات المشتركة والتبعات المشتركة . يحسبون أنهم قادرون على احتمال جريرة الشرك بالله عن سواهم وإعفائهم منها . ذلك إلى التهكم على قصة الجزاء في الآخرة إطلاقا:
(اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم). .
ومن ثم يرد عليهم الرد الحاسم , فيرد كل إنسان إلى ربه فردا , يؤاخذه بعمله , لا يحمل أحد عنه شيئا:
(وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء). .
ويجبهم بما في قولتهم هذه من كذب وادعاء:
(إنهم لكاذبون). .
ويحملهم وزر ضلالهم وشركهم وافترائهم , ووزر إضلالهم للآخرين . دون أن يعفي هؤلاء من تبعة الضلال:
(وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم . وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون).
ويغلق هذا الباب من أبواب الفتنة ; فيعلم الناس أن الله لا يحاسبهم جماعات . إنما يحاسبهم أفرادا , وأن كل امرىء بما كسب رهين . .