ومن ثم يطول عمر الصقر . وتقل أعمار بغاث الطير . ولله الحكمة البالغة . وكل شيء عنده بمقدار . ولم تثمر ألف سنة - إلا خمسين عاما - غير العدد القليل الذين آمنوا لنوح . وجرف الطوفان الكثرة العظمى وهم ظالمون بكفرهم وجحودهم وإعراضهم عن الدعوة المديدة , ونجا العدد القليل من المؤمنين , وهم أصحاب السفينة . ومضت قصة الطوفان والسفينة (آية للعالمين)تحدثهم عن عاقبة الكفر والظلم على مدار القرون .
الدرس الثاني:15 دعوة لعبادة الله وحده وشكره فالله بيده الرزق وحده
وبعد قصة نوح يطوي السياق القرون حتى يصل إلى الرسالة الكبرى . رسالة إبراهيم:
وإبراهيم إذ قال لقومه:اعبدوا الله واتقوه . ذلكم خير لكم إن كنت تعلمون . إنما تعبدون من دون الله أوثانا , وتخلقون إفكا . إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه , واشكروا له , إليه ترجعون . وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم , وما على الرسول إلا البلاغ المبين . .
لقد دعاهم دعوة بسيطة واضحة لا تعقيد فيها ولا غموض ; وهي مرتبة في عرضها ترتيبا دقيقا يحسن أن يتملاه أصحاب الدعوات . .
لقد بدأ ببيان حقيقة الدعوة التي يدعوهم إليها:
(اعبدوا الله واتقوه). .
ثم ثنى بتحبيب هذه الحقيقة إليهم , وما تتضمنه من الخير لهم , لو كانوا يعلمون أين يكون الخير:
(ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون). .
وفي هذا التعقيب ما يحفزهم إلى نفي الجهل عنهم , واختيار الخير لأنفسهم . وهو في الوقت ذاته حقيقة عميقة لا مجرد تهييج خطابي !
وفي الخطوة الثالثة بين لهم فساد ما هم عليه من العقيدة من عدة وجوه:أولها أنهم يعبدون من دون الله أوثانا - والوثن:التمثال من الخشب - وهي عبادة سخيفة , وبخاصة إذا كانوا يعدلون بها عن عبادة الله . . وثانيها:أنهم بهذه العبادة لا يستندون إلى برهان أودليل , وإنما يخلقون إفكا وينشئون باطلا , يخلقونه خلقا بلا سابقة أو مقدمة , وينشئونه إنشاء من عند أنفسهم بلا أصل ولا قاعدة . . وثالثها:أن هذه الأوثان لا تقدم لهم نفعا , ولا ترزقهم شيئا:
(إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا). .
وفي الخطوة الرابعة يوجههم إلى الله ليطلبوا منه الرزق . الأمر الذي يهمهم ويمس حاجتهم:
(فابتغوا عند الله الرزق). .
والرزق مشغلة النفوس , وبخاصة تلك التي لم يستغرقها الإيمان . و لكن ابتغاء الرزق من الله وحده حقيقة لا مجرد استثارة للميول الكامنة في النفوس .
وفي النهاية يهتف بهم إلى واهب الأرزاق المتفضل بالنعم , ليعبدوه ويشكروه:
(واعبدوه واشكروا له). .
وأخيرا يكشف لهم أنه لا مفر من الله , فمن الخير أن يثوبوا إليه مؤمنين عابدين شاكرين:
(إليه ترجعون). .
فإن كذبوا - بعد ذلك كله - فما أهون ذلك ! فلن يضر الله شيئا , ولن يخسر رسوله شيئا . فقد كذب