الكثيرون من قبل , وما على الرسول إلا واجب التبليغ:وإن تكذبوا قفد كذب أمم من قبلكم , وما على الرسول إلا البلاغ المبين . .
وهكذا يأخذهم خطوة خطوة , ويدخل إلى قلوبهم من مداخلها , ويوقع على أوتارها في دقة عميقة , وهذه الخطوات تعد نموذجا لطريقة الدعوة جديرا بأن يتملاه أصحاب كل دعوة , لينسجوا على منواله في مخاطبة النفوس والقلوب .
الدرس الثالث:16 - 23 دعوة الكفار للنظر في التاريخ والكون
وقبل أن يمضي السياق إلى نهاية القصة , يقف وقفة يخاطب بها كل منكر لدعوة الإيمان بالله على الإطلاق ; المكذبين بالرجعة إلى الله والبعث والمآب:
أو لم يروا كيف يبدىء الله الخلق ثم يعيده ? إن ذلك على الله يسير . قل:سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق , ثم الله ينشى ء النشأة الآخرة , إن الله على كل شيء قدير , يعذب من يشاء ويرحم من يشاء , وإليه تقلبون . وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء , وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير . والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي , وأولئك لهم عذاب أليم . .
إنه خطاب لكل منكر لله ولقائه . خطاب دليله هذا الكون ; ومجاله السماء والأرض ; على طريقة القرآن في اتخاذ الكون كله معرضا لآيات الإيمان ودلائله ; وصفحة مفتوحة للحواس والقلوب , تبحث فيها عن آيات الله , وترى دلائل وجوده ووحدانيته , وصدق وعده ووعيده . ومشاهد الكون وظواهره حاضرة أبدا لا تغيب عن إنسان . ولكنها تفقد جدتها في نفوس الناس بطول الألفة ; ويضعف إيقاعها على قلوب البشر بطول التكرار . فيردهم القرآن الكريم إلى تلك الروعة الغامرة , وإلى تلك الآيات الباهرة بتوجيهه الموحي , المحيي للمشاهد والظواهر في القلوب والضمائر , ويثير تطلعهم وانتباههم إلى أسرارها وآثارها . ويجعل منها دلائله وبراهينه التي تراها الأبصار وتتأثر بها المشاعر , ولا يتخذ طرائق الجدل الذهني البارد والقضايا المنطقية التي لا حياة فيها ولاحركة . . تلك التي وفدت على التفكير الإسلامي من خارجه فظلت غريبة عليه , وفي القرآن المثل والمنهج والطريق . .
أو لم يروا كيف يبدى ء الله الخلق ? ثم يعيده . إن ذلك على الله يسير . .
وإنهم ليرون كيف يبدى ء الله الخلق . يرونه في النبتة النامية . وفي البيضة والجنين , وفي كل ما لم يكن ثم يكون ; مما لا تملك قدرة البشر مجتمعين ومنفردين أن يخلقوه أو يدعوا أنهم خالقوه ! وإن سر الحياة وحده لمعجز , كان وما يزال ; معجز في معرفة منشئه وكيف جاء - ودع عنك أن يحاوله أحد أو يدعيه - ولا تفسير له إلا أنه من صنع الله الذي يبدى ء الخلق في كل لحظة تحت أعين الناس وإدراكهم , وهم يرون ولا يملكون الإنكار !
فإذا كانوا يرون إنشاء الخلق بأعينهم ; فالذي أنشأه يعيده:
(إن ذلك على الله يسير). .
وليس في خلق الله شيء عسير عليه تعالى . ولكنه يقيس للبشر بمقاييسهم . فالإعادة أيسر من البدء في تقديرهم . وإلا فالبدء كالإعادة , والإعادة كالبدء بالقياس إلى قدرة الله سبحانه . وإنما هو توجه الإرادة وكلمة:كن فيكون . .
ثم يدعوهم إلى السير في الأرض , وتتبع صنع الله وآياته في الخلق والإنشاء , في الجامد والحي سواء , ليدركوا أن الذي أنشأ يعيد بلا عناء: