سورة الغاشية
تعريف بسورة البروج
هذه السورة واحدة من الإيقاعات العميقة الهادئة . الباعثة إلى التأمل والتدبر , وإلى الرجاء والتطلع , وإلى المخافة والتوجس , وإلى عمل الحساب ليوم الحساب !
وهي تطوف بالقلب البشري في مجالين هائلين:مجال الآخرة وعالمها الواسع , ومشاهدها المؤثرة . ومجال الوجود العريض المكشوف للنظر , وآيات الله المبثوثة في خلائقه المعروضة للجميع . ثم تذكرهم بعد هاتين الجولتين الهائلتين بحساب الآخرة , وسيطرة الله , وحتمية الرجوع إليه في نهاية المطاف . . كل ذلك في أسلوب عميق الإيقاع , هادئ , ولكنه نافذ . رصين ولكنه رهيب !
(هل أتاك حديث الغاشية ?). .
بهذا المقطع تبدأ السورة التي تريد لترد القلوب إلى الله , ولتذكرهم بآياته في الوجود , وحسابه في الآخرة وجزائه الأكيد . وبهذا الإستفهام الموحي بالعظمة الدال على التقدير ; الذي يشير في الوقت ذاته إلى أن أمر الآخرة مما سبق به التقرير والتذكير . وتسمى القيامة هذا الإسم الجديد:(الغاشية). . أي الداهية التي تغشى الناس وتغمرهم بأهوالها . وهو من الأسماء الجديدة الموحية التي وردت في هذا الجزء . . الطامة . . الصاخة . . الغاشية . . القارعة . . مما يناسب طبيعة هذا الجزء المعهودة . وهذا الخطاب: هل أتاك . . ? كان رسول الله [ ص ] يحس وقع توجيهه إلى شخصه , حيثما سمع هذه السورة , وكأنما يتلقاه أول أمر مباشرة من ربه , لشدة حساسية قلبه بخطاب الله - سبحانه - واستحضاره لحقيقة الخطاب , وشعوره بأنه صادر إليه بلا وسيط حيثما سمعته أذناه . . قال ابن أبي حاتم:حدثنا علي بن محمد الطنافسي , حدثنا أبو بكر بن عباس , عن أبي إسحاق , عن عمر بن ميمون , قال:مر النبي [ ص ] على امرأة تقرأ:(هل أتاك حديث الغاشية ?)فقام يستمع ويقول:" نعم قد جاءني " . .
والخطاب - مع ذلك - عام لكل من يسمع هذا القرآن . فحديث الغاشية هو حديث هذا القرآن المتكرر . يذكر به وينذر ويبشر ; ويستجيش به في الضمائر الحساسية والخشية والتقوى والتوجس ; كما يثير به الرجاء والارتقاب والتطلع . ومن ثم يستحيي هذه الضمائر فلا تموت ولا تغفل .
الدرس الأول:1 - 16 بعض مشاهد يوم القيامة الوجوه الخاشعة المعذبة والناعمة المنعمة
(هل أتاك حديث الغاشية ?). . ثم يعرض شيئا من حديث الغاشية:
(وجوه يومئذ خاشعة . عاملة ناصبة . تصلى نارا حامية . تسقى من عين آنية . ليس لهم طعام إلا من ضريع . لا يسمن ولا يغني من جوع). .
إنه يعجل بمشهد العذاب قبل مشهد النعيم ; فهو أقرب إلى جو(الغاشية)وظلها . . فهناك:يومئذ وجوه خاشعة ذليلة متعبة مرهقة ; عملت ونصبت فلم تحمد العمل ولم ترض العاقبة , ولم تجد إلا الوبال والخسارة , فزادت مضضا وإرهاقا وتعبا , فهي:(عاملة ناصبة). . عملت لغير الله , ونصبت في غير سبيله . عملت لنفسها وأولادها . وتعبت لدنياها ولأطماعها . ثم وجدت عاقبة العمل والكد . وجدته في الدنيا شقوة لغير زاد . ووجدته في الآخرة سوادا يؤدي إلى العذاب . وهي تواجه النهاية مواجهة الذليل المرهق المتعوس الخائب الرجاء !
ومع هذا الذل والرهق العذاب والألم:(تصلى نارا حامية)وتذوقها وتعانيها .
(تسقى من عين آنية). . حارة بالغة الحرارة . . (ليس لها طعام إلا من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع). . والضريع قيل:شجر من نار في جهنم . استنادا إلى ما ورد عن شجرة الزقوم التي تنبت في أصل الجحيم . وقيل:نوع من الشوك اللاطئ بالأرض , ترعاه الإبل وهو أخضر , ويسمى "الشبرق" فإذا جني صار اسمه "الضريع" ولم تستطع الإبل مذاقه فهو عندئذ سام ! فهذا أو ذاك هو لون من ألوان الطعام يومئذ مع الغسلين والغساق وباقي هذه الألوان التي لا تسمن ولا تغني من جوع !
وواضح أننا لا نملك في الدنيا أن ندرك طبيعة هذا العذاب في الآخرة . إنما تجيء هذه الأوصاف لتلمس في حسنا البشري أقصى ما يملك تصوره من الألم , الذي يتجمع من الذل والوهن والخيبة ومن لسع النار الحامية , ومن التبرد والارتواء بالماء الشديد الحرارة ! والتغذي بالطعام الذي لا تقوى الإبل على تذوقه , وهو شوك لا نقع فيه ولا غناء . . من مجموعة هذه التصورات يتجمع في حسنا إدراك لأقصى درجات الألم . وعذاب الآخرة